باية محيي الدين رسّامة الفطرة المعجزة

01:15 صباحا
قراءة دقيقتين

كنز فني جمالي يقوم على 70 لوحة للرسّامة الجزائرية باية محيي الدين (1931-1998) في احتفالية هيئة الشارقة للمتاحف بهذه الفنانة، واسمها الحقيقي، فاطمة حدّاد، التي ارتبط اسمها بما يُسمّى الفن الفطري أو الفن الساذج، ضمن معرض استعادي نادر وعظيم الخصوصية التشكيلية في الشارقة، ويستمر بهذا الثراء الاستثنائي حتى 31 يوليو/ تموز المقبل.
هدية كبرى للفنانين التشكيليين والشعراء والكتّاب والمسرحيين وكل أطياف القوس الثقافي في الإمارات، فحين يُذكر اسم باية محيي الدين الفتاة اليتيمة الخادمة عند سيدة فرنسية أرستقراطية قبل اندلاع الثورة الجزائرية، يُذكر في الوقت نفسه اسم الرسام المعجزة بابلو بيكاسو الذي عرف باية محيي الدين في باريس في العام 1947 أو 1948.
 وعلينا أن نلاحظ هنا أن بيكاسو رسم لوحته الشهيرة «نساء الجزائر» في العام 1955 و«بيعت في مزادات كريستيز في نيويورك في العام 2015 بأكثر من 179 مليون دولار لتصبح بذلك أغلى لوحة في العالم»، فهل ثمة من أثر ما للرسامة الشابة التي تدخل باريس على استحياء، على بيكاسو الفنان الأسطورة الذي استضاف باية في مرسمه شهوراً عدة ليعلمها الرسم على أصوله؟ هل حقاً تأثر بيكاسو بفطرية باية محيي الدين، وكان فعلاً مولعاً بأعمالها النحتية بشكل خاص؟ وبالتالي، هل يعقل أن الفنان الأسطورة قد يكون أخذ شيئاً من أعمال هذه الشابة التي كانت تطبخ له «الكسكسي» وهي أكلة شهية شائعة في بلدان المغرب العربي، أم أن صاحب «الجرنيكا» كان فقط شغوفاً برسومات شابة قادمة من الريف - والأشجار والطيور، وقد حوّلت عالمها هذا إلى أيقونات لونية محفوظة في ذاكرة العالم؟
أسئلة من هذا النوع هي أسئلة منطقية أو مشروعة بالنسبة إلى حيثيات علاقة فنية أو ثقافية بين رسام عالمي كبير، وبين فتاة في السادسة أو السابعة عشرة من عمرها، ترسم لوحات إنسانية تماماً، ولكن يغيب عنها الرجل.
المحطة الثانية «الأعجوبة» أيضاً في حياة هذه الرسامة الطفولية في ألوانها ومواضيعها وخطوطها الحارّة المباشرة هي حياتها في ولاية البليدة في الجزائر حين كانت في أواخر الأربعينات من عمرها أو في أوّل الخمسين، أي في تسعينات القرن العشرين حين ضرب الإرهاب المتعصّب الجزائر في ذلك الوقت، وضرب تحديداً في البليدة، الولاية التي كانت تسمّى في الجزائر ولاية الزهور حيث كانت تعيش باية محيي الدين.
في ذلك الوقت الإرهابي كيف نجت باية محيي الدين من تعصّب أعمى كان يعتبر الرسم وبخاصة على يد امرأة رجساً من عمل الشيطان، حتى لو كانت الرسمة تبدو وكأنها من عمل طفلة؟
كل هذه المحطات في حياة هذه المرأة التي حوّلت الطين والفخّار إلى كائنات خفيفة حميمة تحضر تلقائياً ونحن في معرض استعادي استثنائي فعلاً له أكثر من قيمة يمكن التوقف عندها لو أردنا الاستطراد في هذه المناسبة الغنية بالجمال، فللمعرض قيمة جمالية، وثقافية وتاريخية، وسِيَريّة، وتوثيقية تؤكد، مرة ثانية، أننا في الشارقة أمام كنز جمالي، وأمام هدية فنية عظمى.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"