مستقبل الاستثمارات الواعية في الإمارات والمنطقة

21:25 مساء
قراءة 4 دقائق

راميش جاجاناثان *

لطالما كرس العديد من المستثمرين رؤوس أموالهم للإسهام في مبادرات تعود بالفائدة على المجتمع، وتحقق عوائد مالية في الوقت ذاته، إلا أن النمط العام للاستثمار ركز على الاستثمارات القائمة على مبدأ الربح، في حين تُركت «المبادرات الخيرية» للمتبرعين والجمعيات الخيرية، والمنظمات الحكومية وغير الحكومية.

إلا أن هذا التوجه تغير في السنوات الأخيرة ليركز بشكل أكبر على ما يسمى الاستثمارات الواعية التي يُطلق عليها في بعض الأحيان، الاستثمارات الأخلاقية أو الاستثمارات ذات التأثير الإيجابي على المجتمع. وتغيرت هذه الفرضيات لينتج عنها إطار استثمارات محددة، من شأنها أن تسهم في إيجاد حلول للقضايا الاجتماعية والبيئية، مع تحقيق عوائد مالية طوال فترة الاستثمار.

ولقد شهد الاستثمار الواعي إقبالاً كبيراً في العالم خاصة في ظل الوباء العالمي. وتقدر قيمة الاستثمارات العالمية في هذا المجال بحوالي 715 مليار دولار، مع نمو سنوي بنسبة 20%. 

وتشمل هذه الاستثمارات قطاعات متنوعة مثل الطاقة المتجددة، والزراعة المستدامة، والتمويلات الصغيرة والمخصصات، إلى جانب حلول جديدة لمنتجات أساسية تشمل قطاعات الإسكان والزراعة والرعاية الصحية والتعليم.

وفي الأشهر الأخيرة، تحسنت وسائل اتخاذ القرارات الاستثمارية الواعية بشكل أفضل، نتيجة للتطورات الأخيرة التي طرأت على المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة. وفي سبتمبر، كشفت شركات المحاسبة «الأربع الكبرى» (كي بي إم جي، وإرنست ويونج، وديلويت، وبي دبليو سي)، عن إطار عمل تقارير المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة لمساعدة الشركات في تحديد معيار المستوى الأساسي لحساباتها.

وعلى الرغم من النمو المتصاعد للاستثمارات الواعية على مستوى العالم، فإن تأثيرها منخفض جداً في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشير الدراسات إلى أن نسبة تأثير الاستثمارات الواعية العالمية على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتراوح ما بين 2 و5%. ومع ذلك، فإن هناك فرصاً عديدة للمستثمرين في المنطقة، إلى جانب الفرص المتاحة لرواد الأعمال الراغبين في تنفيذ أفكار تسهم في نمو المجتمعات. ولا شك في أن هناك فرصة كبيرة لمواءمة القيم الإسلامية مع الاحتياجات الاجتماعية. وهو ما يفسر سبب إطلاق البنك الإسلامي للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، منصة التمويل الإسلامي العالمي والاستثمار المؤثر في عام 2016. كما أن هناك العديد من الفرص المميزة التي قد توفرها صناديق التمويل السيادية، في الوقت الذي تبحث فيه كثير مكاتب إدارة شؤون الأسر الثرية في دول مجلس التعاون الخليجي، عن جهات مسؤولة ومربحة لاستثمار أموالها بشكل مؤثر.

ومع دخولنا مرحلة ما بعد التعافي من آثار فيروس كوفيد  19، فإن الحكومات تستعد للإعلان عن حزم تحفيزية كبيرة في جميع أنحاء العالم، ووضع خطط مستدامة للتعافي. ولا شك في أن الشركات التي تعتمد على تطبيق المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة في أعمالها، ستكون قادرة على الابتكار وإيجاد تقنيات جديدة ووسائل أفضل لضمان نمو أقوى في المستقبل.

ولتصور الإمكانات العالمية لهذا السوق، ترى الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن الاستثمار بمبلغ تريليون دولار (3.67 تريليون درهم) سيكون ضرورياً على مدى السنوات الثلاث المقبلة، لضمان انتعاش اقتصادي مستدام، وحددت الوكالة خطة مدتها ثلاث سنوات لتغطية مجموعة من قطاعات الطاقة، مما يجعل هذه الاستثمارات قراراً تجارياً مميزاً، نظراً لأن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، ومقرها في أبوظبي، قدرت أن قيمة العوائد ستتراوح بين 3 و8 دولارات على كل دولار يتم استثماره في الطاقة المتجددة. 

وإضافة إلى ذلك، أظهرت دراسة حديثة أجرتها UBS لإدارة الثروات العالمية على أكثر من 5300 مليونير من المستثمرين في أصول استثمارية، بما لا يقل عن مليون دولار أمريكي (باستثناء الاستثمارات العقارية) في 10 أسواق مثل البرازيل والصين وألمانيا، وهونج كونج وإيطاليا وسنغافورة وسويسرا والإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، أن معدلات الاستثمار المستدام في دولة الإمارات والصين والبرازيل هي الأكبر، بالمقارنة مع الدول الأخرى. 

ومع تزايد الحاجة إلى الابتكار والتنويع الاقتصادي فإن الاستثمار الواعي يمثل الاستراتيجية الأمثل لتحقيق أفضل النتائج، وهو ما يفرض على رواد الأعمال تبني هذه النماذج في أعمالهم وشبكات التوريد. تؤكد كل المؤشرات والمعطيات الموجودة أن موجة التغيير ستحدث. ووفقاً لأحدث مراجعة للاستثمارات المستدامة 2020، من بنك ستاندرد تشارترد الخاص، فإن 90% من المستثمرين الذين شملهم الاستطلاع في دولة الإمارات، مهتمون بالاستثمار المستدام، بينما يخطط 42% منهم لاستثمار 5-15% من أموالهم في استثمارات مستدامة على مدى ثلاثة أعوام القادمة.

ومن أجل تحفيز هذه العملية، استضافت «ستارت إيه دي»، منصة ابتكار وريادة أعمال تتخذ من أبوظبي مقراً لها في جامعة نيويورك أبوظبي، التي تحظى بدعم من شركة تمكين، الدورة السنوية السادسة من المنتدى التعريفي للمستثمرين Angel Rising، لتسليط الضوء على أسس الاستثمار الواعي وكيفية الاستفادة من التكنولوجيا من أجل الخير. وجمعت الندوة قادة الفكر العالميين والمحليين من أجل نشر الوعي حول متطلبات نجاح المستثمرين في الشركات التي تعتمد على المهام القائمة على التكنولوجيا. وشملت الشركات الناشئة المشاركة «سايكلد»، وهي صناديق ذكية تقدم مكافآت للأشخاص الذين يعيدون تدوير النفايات، وتعرض لهم نسبة الكربون التي وفروها من خلال عملية التدوير، وشبكة «بلس آكتيف ستيشنز»، وهي شبكة من الأكشاك الصحية الذكية في الأماكن العامة المكتظة تستفيد من إنترنت الأشياء لقياس مؤشرات الصحة والعافية.

ونظمت «ستارت إي دي» هذه الدورة بالتعاون مع «فينتشر سوق»، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، ومركز الشارقة لريادة الأعمال (شراع)، و«هب71»، لإطلاق برنامج الزمالة «المستثمر الواعي» الأول من نوعه في المنطقة، وقد التحق ببرنامج الزمالة 30 مستثمراً في تخصصات متنوعة، وهو ما يدل على أن المنطقة تسير في الاتجاه الصحيح لتنفيذ الأفكار وتطبيقها على أرض الواقع.

ومع تعافي العالم من آثار الوباء، ستتوفر فرص مثالية للمستثمرين في المنطقة، من أجل بناء مركز لريادة الأعمال الاجتماعية في دول مجلس التعاون الخليجي.

* نائب عميد جامعة نيويورك أبوظبي لشؤون ريادة الأعمال والابتكار، المدير العام لمنصة «ستارت إيه دي».

عن الكاتب

نائب عميد جامعة نيويورك أبوظبي لشؤون ريادة الأعمال والابتكار، المدير العام لمنصة "ستارت إيه دي"

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ybc2quob