يوسف أبولوز
أردت في هذه المادة استطلاع بعض ملامح «قصة جمالية» تعود إلى بيوت أو خانات الغناء والشعر حين ازدهر هذان الفنّان عند الأمويين، والعبّاسيين، ثم الأندلسيين «غناء الموشّح»، وكان الشعر آنذاك هو العمود الفقري للغناء، والقصيدة المغنّاة كانت على مستوى اجتماعي أكثر شهرة من القصيدة الشفوية أو تلك المكتوبة «المخطوطة»، وكان الشعر هو سيّد الغناء، وبالتالي، سيّد الموسيقى لأن النصوص المغنّاة آنذاك كانت تقتصر على الشعر الفصيح، فلم يكن مقبولاً أو مستساغاً أن تُغنّى الكلمات الشعبية «المحلية» كما هو الحال الآن، فقد كان ارتباط الشعر بالغناء والموسيقى يعكس الثقافة الرفيعة لديوان العرب ومكانته الجمالية، والصوتية، والإيقاعية.
قصة علاقة الشعر بالغناء، والموسيقى لم تقرأ جيداً على نحو مهني من جانب مختصين في طرفي هذه العلاقة، وأقصد بهما: الشاعر والمغني، أو الشاعر والموسيقي على الرغم ممّا يمكن أن يُسمى «خطوط التماس» بين القصيدة، وبين غنائها، وأيضاً ذلك التَّمَاس والتداخل بين «السلّم الموسيقي» مثلاً، وبين بحور الشعر العربي، وتفعيلاته، وتقطيعاته، وأوزانه وما يتبع هذه الأوزان من تفاصيل مثل ما يسمّى في علم العروض: «السبب الخفيف»، و«السبب الثقيل» و«الوتد المجموع» وغيرها.
يهمّني هنا التأكيد على أن العروض والوزن والبحور والقافية هي علم. وأؤكد أكثر من مرة على كلمة «علم» تشارك في وضعه عروضيون، وموسيقيون، ولعلّ كتاب الفارابي «كتاب الموسيقى الكبير» الذي جاء في 1208 صفحات، خير دليل قاطع على أن العروض هو علم، شأنه شأن الموسيقى المحكومة إلى نظريات ومصطلحات ومفاهيم علمية دقيقة وصارمة، ولذلك، فإن المعرفة النظرية أو التطبيقية السطحية بالوزن والعروض والبحور لا تعني المعرفة العلمية بموسيقى الشعر، فهناك مثلاً من يعرف الوزن وتقطيع البيت الشعري من صدره إلى عجزه بطريقة مدرسية نظمية ليس لها أية علاقة بالعلم الموسيقي الرياضي للشعر.
قد تصلح هذه المقدمة العلمية أو شبه العلمية لسؤال طالما راود بعض ممن ينشغلون بالعلاقة بين الشعر والغناء بشكل خاص... هل ترفع الموسيقى من شأن قصيدة رديئة، وتجعل منها «صوتاً مسموعاً»، أو العكس هل يمكن لقصيدة جيّدة أن ترفع من شأن قطعة موسيقية عادية وتجعل منها أيضاً «صوتاً مسموعاً».
هنا سأعرض فقط إلى الجانب الأول من السؤال، وهو كيف أن الموسيقى ترفع شأن الشعر العادي، وحتى المنظوم منه والضارب في كلاسيكيته الجامدة، ففي العام 1966 غنّت أم كلثوم قصيدة عمودية نظمية عادية تماماً هي «الأطلال» للشاعر إبراهيم ناجي، ولو لم تغنِ أم كلثوم هذه القصيدة لبقيت مثلها مثل مئات وربما الآلاف من القصائد العمودية النظمية التي تجاوزها القارئ والزمن معاً، جاءت القصيدة على بحر الرمل: فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلاتن، ويقول الفارابي في كتاب الموسيقى الكبير، إن المتوسطين من العرب كانوا يسمون دور حثيث الرمل ودور خفيفه، إيقاع «خفيف الرمل»، ويعدّونهما إيقاعاً واحداً.
أما موسيقى أغنية قصيدة «الأطلال»، فقد وضعها موسيقي مصري عبقري هو رياض السنباطي، على مقام «راحة الأرواح»، إلى جانب حضور مقامات أخرى في الأغنية مثل: الراست، الصبا، الكرد،.. وكلّها موسيقى جعلت من قصيدة عادية صوتاً مسموعاً في الأذن العربية.
قصيدة أخرى عادية، وليست هي بذلك الشعر الخارق للعادة أو الخارق للذاكرة الشعرية العربية هي قصيدة «قارئة الفنجان» للشاعر نزار قباني، وهي قصيدة تفعيلة جاءت على بحر المتدارك أو الخبَب فعلن، فعلن، فعلن، فعلن، غنّاها عبدالحليم حافظ في العام 1976، وستكون آخر أغنية له إذ رحل عن الدنيا في العام 1977.
قاد عبدالحليم حافظ الفرقة الماسّية التي عزفت لحن تلك الأغنية، وعلى مدى 15 دقيقة قاد مقدمة الأغنية التي وضع لحنها موسيقي عبقري هو الآخر «محمد الموجي»، وجاء لحنها على مقام النهاوند، ومن يرجع الآن إلى موسيقا «قارئة الفنجان» يكتشف بأقل معرفة بالموسيقى الفرق الشاسع بين اللحن النهاوندي، وبين شعر هذه القصيدة التفعيلية العادية، وربما لو لم تحمل الموسيقى هذه القصيدة، لكان شأنها شأن عشرات قصائد نزار قباني القابعة الآن في كتبه العديدة.
أمر آخر في قصة قصيدة «قارئة الفنجان» وهو تدخل المغنّي في قصيدة الشاعر، فقد أصرّ عبدالحليم حافظ على تغيير بعض الكلمات في القصيدة، رفض نزار قباني ذلك، ولكنه أخيراً وافق على تغييرات عبدالحليم، بينما علينا أن نلاحظ هنا، أن نزار قباني لم يكن لديه أبداً ما يقوله على موسيقى الأغنية.