أبوظبي:رانيا الغزاوي
يمر الإنسان بمنعطفات كثيرة تغير مسار حياته، إما للأفضل وإما العكس، وكم من عاقل استطاع بإرادته وقوة تحديه لهواه أن يعدل عن الأسوأ ويتصدى لأصعب المحن، متخذاً بشأنها أهم قرارات حياته من دون اللجوء إلى بدائل لا تسمن ولا تغني من جوع.
هذه هي حال «خ. م. ل»، أحد المتعافين الذين تلقوا العلاج بالمركز الوطني للتأهيل في أبوظبي وعمره 21 عاماً، جرفته بعض المشكلات الأسرية والعاطفية إلى إدمان المخدرات، وأثرت فيه وفي كل المحيطين به من الأهل والأصدقاء، فلم ينس أنه في أحد الأيام حاول دهس أخيه بالسيارة، تحت تأثير المخدر، وعندما أرادت والدته منعه، أصابها بطريق الخطأ.. وعلى الرغم من هذه المآسي كلها، يظل داخل الإنسان بصيص أمل في آخر النفق المظلم يولد الشرارة التي تشعل مصباح حياته لينير دروب العودة لنفسه ولأسرته ومجتمعه، بجهود المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، الذي أعاده بخططه وبرامجه العلاجية المتميزه الى بر الأمان.
مشكلات أسرية
وتحدث «خ.م.ل» ل «الخليج» عبر «زووم» عن بداية تجربته في التعاطي، حيث كان في حينه في السادسة عشرة، واستمر في تعاطي حبوب «الترامادول» خمس سنوات، فقد كان طالباً في المدرسة، وعانى في تلك المرحلة مشكلات أسرية، حيث تكررت الخلافات بين إخوته بعد وفاة والده، وعلى إثرها لجأ إلى أشخاص خارج محيط المنزل، كان يمضي معظم وقته معهم، هروباً من المشكلات، وإهمال الأهل له، وكان لرفاق السوء النصيب الأكبر في انجرافه نحو هذه التجربة لغرض النسيان والهروب من الواقع الذي يعيشه.
سعادة مؤقتة
وعن الإحساس الذي كان ينتابه وقت التعاطي، يقول: «كنت أشعر بالسعادة والراحة، لا أفكر بأحد ولا يهمني شيء، وأنسى كل ما كان يضايقني، وكان الإدمان يجعلني شخصاً قوياً، لكن بالطبع ينتهي هذا الشعور بانتهاء مفعول المخدر، فبدايته تكون جميلة، وبعد مدة قليلة يصبح نقمة وكابوساً، يسيطر عليك ولا تستطيع التخلص منه. اكتشف أهلي إدماني من تصرفاتي وسهري خارج المنزل وتغير سلوكي، ونصحوني أكثر من مرة بالابتعاد عن ذلك، وكنت أخبرهم بأنني سأبتعد، فكنت أترك التعاطي يوماً واحداً ثم أعود إليه، لكن قبل أن يكتشف أمري وجدت والدتي لدي بعض الحبوب، التي أوهمتها بأنها حبوب منشطة وفيتامينات».
ويضيف:«مهما طال أمد التخبط بالإنسان، فإن هناك لحظات يعود فيها إلى رشده، حيث كان آخر موقف فاجعة لي، عندما كنت ألاحق أخي بالسيارة، وأنا تحت تأثير المخدر وأردت أن أصدمه، والسبب كان تافهاً جداً، عندها ركضت أمي ورائي لتفتح باب السيارة في محاولة لمنعي عن هذا التصرف، فصدمتها بطريق الخطأ، عند هذه اللحظات اسودّت الدنيا في وجهي، لأني اكتشفت أنني وصلت إلى مرحلة يمكن أن أقتل أخي وأمي بسبب تأثير المخدر، وحزمت أمري بعدها على العلاج والخلاص من هذا الكابوس، وطلبت من أحد إخوتي العلاج بكامل رغبتي وإرادتي، فاصطحبني إلى المركز الوطني للتأهيل الذي قدم لي العاملون فيه كل الدعم، مؤكدين أن الرغبة في العلاج أولى خطوات التعافي».
رحلة علاج
وعن شعوره بأول يوم قدم فيه إلى المركز يقول «في المرحلة الأولى لم أكن بكامل وعيي وقدراتي العقلية، لكن بعد مدة قليلة، أيقنت أنني في المكان الصحيح، كنت أعتقد أنني الوحيد الذي أعاني هذه المشكلة، لكن بعد دخولي المركز وجدت أشخاصاً يعانون مشكلتي نفسها، ويعيشون تجارب أخرى، وعندما لجأت إلى العاملين في المركز من أطباء وأخصائيين أحسست بالراحة، وكنت سعيداً بخطوتي هذه؛ بالطبع واجهت بعض الصعوبات في بادئ الأمر مثل بعض الآلام والأوجاع في مرحلة العلاج التي تسمى الأعراض الانسحابية، وآلام في الجسم، وآلام مفاصل، وقيء، وأرق، وعدم القدرة على النوم، وصداع مزمن، وتقلب المزاج، والعصبية، لكنني الحمد لله راضٍ جداً عن نفسي اليوم وبفضل الله والتزامي بالسلوك الصحيح، سأصبح أقوى وأفضل، حيث إنني أكملت 8 أشهر و15 يوماً في التعافي لم أتعاط فيها والحمد لله».