سئلت مرة، ما أمنيتك الخاصة؟ فكانت إجابتي وأنا أبتسم: أن يذكرني الناس حين أرحل بخير، وأن يكون هناك أثر جميل يترحمون به علي.
قد تكون إجابة صادمة لبعضهم، وقد يقال إن فيها مبالغة، لكنها أمنية، وكم هو جميل ما نراه حولنا حين يرحل كثُر، ويبقى طيب أثرهم يعطر رحيلهم!.. ليس تشاؤماً أو أننا نتمنى الموت، بل هو السعي لأن نحيا حياة مستقرة، فيها العطاء وفيها نمارس كل القيم التي يدعو إليها ديننا وتربّينا عليها؛ حتى تكون هي زادنا حين نرحل.
 لا نزال نعيش كل يوم طيب ذكر مؤسس الوطن الوالد المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه. وكم يرقّ قلبنا لكلماته التي لا تموت فندعو له بأن يكون الفردوس الأعلى مقره ومستقره، وهذا الدعاء سيستمر ما بقي الوطن قائماً بإذن الله، حياً إلى يوم الدين.
يرحل الطيبون ويبقى طيبهم، كل يوم نسمع عن أحدهم ونحزن، لكن المفرح أن الجميع يذكرونهم بخير. وكم من ذكر جميل تركه الشيخ حمدان بن راشد، أول وزير للمالية لدولة الإمارات، عاصر حقبة الاتحاد مع المؤسسين منذ قيامها في عام 1971، لم نعرف غيره، كان رجل الخير الصامت، الذي ما إن رحل، حتى بكته الأرض؛ لأنه كان يعرف أن الخير هو زاد لا يتردد المرء فيه؛ بكته المدارس، والمساجد، بكاه الوطن الذي لا ينسى دوره فيه، وما أسهم في الخمسين عاماً التي مضت، وقبل أن يرحل وضع مع القادة رؤى للخمسين عاماً القادمة، هو خالد بذكره، بجميل صنعه وعطائه وطيبته وقلبه الكبير الذي نعرف جزءاً منه فقط. سيرته عطرة بكل ما قدمه، وبكل ما لم نعرفه، ويعرفه الله، ترجّل وحل رحاله عند رب كريم لا ينسى خيراً فعله عبده؛ فاللهم اجعل مقامه ومستقره الفردوس مع كل من رحلوا وكانوا عطرِي الذكر، وكانت بصمتهم في أرض الوطن ومستقبله، ولن ينساهم كل من عاش وسيعيش على هذه الأرض الطيبة.
يرحل الطيبون ويبقى طيبهم، يبقى العمل الجميل، والذكر الجميل، ويبقى إخلاصنا ووفاؤنا، قيمنا وأخلاقنا، تبقى الحياة التي عشناها وقدمنا فيها، الحياة التي غيّرنا فيها حياة غيرنا، أثرنا فيها وكنا التغيير الذي يرضينا ويرضي الله عنا، التغيير الذي سيبقى صدقة جارية لنا، في عملنا، في أهلنا، فيمن حولنا في كل من نمرّ به ويكون لنا معه ذكرى، بالكلمة، بالفعل والتجربة، لنعمل وندعو الله بقلوبنا أن نكون طيبي المحيا والممات، وعنا لا يذكر إلا كل خير، الحياة وجدت لكي نعيشها بخير، فكونوا أهلاً للخير والذكر العطر.

[email protected]