«أهمية المرء صارت تقاس بحسب عدد متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يحقق له ربحاً مادياً ومعنوياً واجتماعياً». كانت هذه العبارة هي ما سمعته من إحدى الفتيات في إحدى الزيارات العائلية، والتي جعلتني أتوقف كثيراً أمام هذا المنطق الرائج اليوم بين الصغار والكبار، لدرجة أن بعض «المشاهير» مازالوا يحاولون جاهدين شراء متابعين وهميين على هذه المواقع، فصار شغلهم الشاغل هو الرقم الذي يظهر بقرب كلمة متابعين! هذه العبارة جعلتني أستحضر موقفاً ينقل عن العقاد وشكوكو؛ إذ سأل صحفي الكاتب المصري عباس محمود العقاد: من منكما أكثر شهرة، أنت أم محمود ﺷﻜﻮﻛﻮ؟ فردّ عليه العقاد باستغراب: من يكون ﺷﻜﻮﻛﻮ هذا؟ وعندما وصل خبر هذه المحادثة إلى ﺸﻜﻮﻛﻮ قال للصحفي: «قل لصاحبك العقاد أن ينزل إلى ميدان التحرير، ويقف على أحد الأرصفة وسأقف أنا على الرﺻﻴﻒ المقابل، ونرى الناس ستجتمع بقرب من».
وهنا ردّ العقاد: «قل ﻟﺸﻜﻮﻛﻮ أن ينزل إلى ميدان التحرير ويقف على صيف ويطلب من راقصة أن تقف على اﻟﺮﺻﻴﻒ الثاﻧﻲ لنرى الناس تجتمع بقرب من».
عبارة العقاد هذه على الرغم من قسوتها تلخّص هذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم، ونحن نرى بعض أصحاب الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ممن لا يمتلكون منطقاً ولا ثقافة، قد أصبحوا من المشاهير بسبب محتوى هابط يقدمونه، أو بسبب إعلان «ضرب» فجأة فأنتج شهرة لحظية استمرت لتكون دائمة بعد أن عرف صاحبها اللعبة، بينما نجد من يجتهد في صناعة محتواه ويجدّ في البحث والتدقيق والتأليف والإبداع والفن والتجريب، ويبقى مجرد اسم لا يعرفه إلا القليلون ممن يهتمون بالمحتوى الملتزم القادر على إضافة شيء من الثقافة والأدب والفنون إلى المكتبة والمحتوى العربي والعالمي.
نعلم تماماً أن ثقافات الجماهير مختلفة، وأن ميولهم ليست واحدة، وأذواقهم متباينة، لكننا نخشى اليوم على جيل كامل صار يتعرض لهذا المحتوى الهابط أو الخاوي بشكل مستمر ودائم بحجة التسلية والترفيه والتعرف إلى آخر صيحات الموضة والفن.
نحن بحاجة إلى وقفة حقيقية مع الذات قبل المجتمع لنقيّم محتوى هذه الحسابات ونعرف أضرارها على مستقبل جيل ربما لن يجد يوماً غيرها.