لا نقع في مثلبة التكرار حين يكون الحديث موضوعياً عن ظاهرة أدبية أو ثقافية أو نشرية تستحق النظر إليها أكثر من مرة، ومن أكثر من زاوية. والمثال هنا، حركة النشر في الإمارات، وحركة صناعة الكتاب وتوزيعه وضمان حقوق مؤلّفه، وحركته من معرض دولي للكتاب إلى معرض آخر، والرقابة عليه، وتخزينه، وغير ذلك من دوائر واسعة أو ضيّقة تتصل بصناعة النشر. والمعني هنا بهذه الصناعة دولة الإمارات التي يُنظر إليها اليوم بوصفها من أولى بلدان العالم على مستوى النمو المتزايد في قطاع النشر الورقي، ولا يغيب عن هذا القطاع النشر الإلكتروني، ولكن لندرة المعلومات الخاصة بي، على الأقل، في الشأن النشري الإلكتروني أحصر هذه المادة في النشر الورقي في ضوء ظهور عشرات دور النشر الإماراتية المملوكة لناشرين وناشرات من الإمارات هم في الأصل أدباء شباب، خاضوا هذه التجارب النشرية بشجاعة، وبشجاعة أيضاً وضعوا نصب أعينهم احتمالات الربح والخسارة، ولكن في كل الأحوال من المؤكد أن الناشرين الإماراتيين الشباب ينطلقون في مشاريعهم هذه من دوافع ثقافية، قبل الدوافع التجارية، أو الاستثمارية إن جازت العبارة.
وفي المناسبة، يجدر القول هنا، إن هذه المشروعات النشرية التي ظهرت خلال العقدين الأخيرين، وأكثرها في السنوات العشر الأخيرة، تستحق الدعمين المادي والمعنوي المتمثل في مبادرة دعم الصناعات الإبداعية والثقافية في الإمارات، وهي مبادرة تلقى كل تدبير وتنشيط من جانب وزارة الثقافة، واستفادت منها مشاريع صناعات إبداعية وثقافية عديدة في الإمارات.
قطاع النشر في الإمارات حيوي ومهم، ويفرض نفسه على الإعلام وعلى المؤسسات، نظراً لتزايد مشاريعه ومبادراته، وهو أمر واقع يعتز به المثقفون في الإمارات بدءاً من تزايد النشر على صعيد الترجمة، مرواً بصناعة الكتاب في المؤسسات والدوائر الثقافية الإماراتية، وليس انتهاء بقيام كيانات نشرية إماراتية عربية عالمية في الإمارات مثل هيئة الشارقة للكتاب، ومدينة الشارقة للنشر، وجمعية الناشرين الإماراتيين.
ولكن ما مناسبة كل هذه الاستعادة المتصلة بالنشر في الإمارات؟
المناسبة، إطلاق أول منصة افتراضية لحقوق النشر، إضافة إلى برنامج أضواء على حقوق النشر الذي سيقدم 300 منحة، في الدورة الثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، كما أوضح ذلك د. علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، ونحن على أبواب المعرض الذي يستقطب في دورته هذه 800 ناشر محلي ودولي من 46 دولة عربية وأجنبية ضمن فعاليات مكفولة باحترازات يومية على مدار أيام وليالي المعرض.
النشر في الإمارات صناعة مُصانة بأطر قانونية ومهنية وأخلاقية، والنشر في الإمارات قطاع وليس ظاهرة تابعة لظروف طارئة أو جديدة تنتهي بانتهاء هذه الظروف، بل وراء النشر أيضاً، محلياً، تاريخ ثقافي ومؤسسات متخصصة وتحوّلات إبداعية وأدبية أنتجتها أجيال من الكتّاب الإماراتيين منذ سبعينات القرن العشرين وحتى اليوم، بتجارب وتراكم وخبرة.
[email protected]