المنفعة من عدم تطبيق العقوبة

23:00 مساء
قراءة 3 دقائق

وجيه أمين عبدالعزيز *

يحصُر الكثيرون مفهوم الجرائم الاقتصادية في تلك التي تتعلق بأنشطة مالية سواء كانت تجارية أو صناعية، ولا شك في أن هذا فهم صحيح لكنه مجتزأ إلى حد كبير، فالاقتصاد بتعريفه الواسع يرتكز إلى أسس واضحة أهمها على الإطلاق هو الأمن، لذا فإن أي جريمة مهما كانت طبيعتها أو حجمها لها تأثير مباشر في الاقتصاد، وبناء على ذلك تظل الدول الأكثر أمناً على رأس قائمة الوجهات الجاذبة للاستثمار ورواد الأعمال.
انطلاقاً من هذه المقدمة نتطرق إلى الجرائم الأكثر مساساً بالبنيان الاقتصادي للدول في ظل العولمة وثورة تكنولوجيا المعلومات، وهي تلك الجرائم التي يمكن تعريفها بأنها «كل فعل أو امتناع يخل بالنظام الائتماني للدول وأهداف سياستها الاقتصادية».
ولا شك في أن هذا النوع من الجرائم يفوق في تأثيره السلبي غيره من الجرائم التي ترتبط بممارسات فردية، لأن تأثيرها يمتد إلى سنوات طويلة، وتتحمل تبعاتها أجيال متعاقبة وكم من شركات دولية كانت قاطرات اقتصادية بالأمس القريب وأصبحت في طي النسيان الآن بسبب الجرائم الاقتصادية بكافة أشكالها وأنواعها المختلفة.
واستناداً إلى ذلك يظل دور الدول مهماً وأساسياً في ضبط أداء هذه المؤسسات والحفاظ عليها حتى لو كانت مملوكة لأفراد لأنها في النهاية تؤثر بشكل مباشر في قطاع كبير من موظفين وأسرهم ومستهلكين ومتعاملين فضلاً عن كونها مصادر دخل رئيسية لها، ولهذا السبب تحرص الدول ذات الأساس الاقتصادي الراسخ وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة - على تطوير تشريعاتها ذات الصلة بشكل مستمر لترسيخ بنيانها الاقتصادي وتعزيز متانته.
وفي هذا الشأن نوضح أن سن التشريعات الجنائية يستند إلى مبدأين أساسيين الأول هو لا جريمة أو عقوبة إلا بنص، وفرض هذا المبدأ نفسه سنوات طويلة، فالعقاب واجب لا محال على كل من يرتكب الجرائم إلى أن بدأت الدول تنظر في مبدأ ثان وهو ما يعرف بالمنفعة الاجتماعية، وما إذا كان عدم تطبيق العقوبة أكثر نفعاً للمجتمع من إقرارها، وفرض هذا المبدأ نفسه لكن في الجرائم ذات الطبيعة المالية فقط، مع عدم تجاهل الردع المناسب.
وذهبت دول بعينها إلى ما هو أبعد من ذلك في التعامل مع مبدأ المنفعة المجتمعية العامة حين النظر في الجرائم ذات الطبيعة الاقتصادية فنجد على سبيل المثال برامج التسويات في القضايا المالية وتستند هذه البرامج بشكل أساسي إلى قناعة مهمة وهي أن الشخص المتعثر مالياً لا يجب أن يكون بالضرورة مجرماً إلا إذا ثبت امتناعه عمداً عن السداد أو توافر قصد الاحتيال بشكل أو بآخر لديه، لكن فيما عدا ذلك يمكن أن يكون تعرض لأزمة تسببت في عدم قدرته على الالتزام.
وهنا يتم التدخل بين الطرفين للتوصل إلى تسوية مناسبة يتم الالتزام بالسداد في إطارها بطريقة أكثر نفعاً لهما، لأن الدائن لن يستفيد شيئاً بحبس المدين، كما أن الأخير لن يمكنه مزاولة نشاطه التجاري وسداد مديونيته وهو مقيد الحرية، الأمر الذي ربما يعود بضرر أكبر على موظفي شركاته أو العاملين لديه وفي هذه الحالة يكون عدم تطبيق العقوبة أكثر نفعاً للمجتمع من إقرارها. لذا تعكس التعديلات الأخيرة الواردة على القانون الاتحادي رقم 17 لسنة 2016 الخاص بمراكز التوفيق والمصالحة في المنازعات المدنية والتجارية وكذلك تعديلات قانون العقوبات الاتحادي رقم 3 لسنة 1987 التي توسعت في الصلح الجزائي .
ونؤكد أخيراً، أن الحديث عن «المنفعة من عدم تطبيق العقوبة» لا يعني فقط رد المظالم أو الديون لأصحابها، لكن يجب أن يصحبه الردع لضمان عدم تكرار الجريمة.
* مستشار قانوني أول - المركز العالمي للمحاماة والاستشارات القانونية

عن الكاتب

مستشار قانوني أول - المركز العالمي للمحاماة والاستشارات القانونية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ydrf5td6