الحرب العالمية التي انطلقـت شرارتها من أستراليا

22:46 مساء
قراءة 4 دقائق

رمزي رعد*

بعد العراك الطويل في أستراليا بين محرّك البحث «جوغل» (Google) وشبكة التواصل «فيسبوك» (Facebook) من جهة، ومؤسسات الصحافة والنشر، إضافة إلى شركات بيع المساحات والأوقات الإعلانية التابعة لها من الجهة الثانية، التي دارت رحاها حول مطالبة الطرف الأسترالي للطرف الأوّل بدفع رسوم لقاء المحتوى التحريري والأخبار المقتبسة من وسائل الإعلام الأسترالية.
ولحظة موافقة البرلمان الأسترالي على هذه المطالبة، سجل سابقة سارعت دول عديدة حول العالم لتقليدها، لكون الجزء الكبير من مداخيل دور الصحافة والنشر مصدره الإعلان التجاري الذي بيّنت آخر الإحصاءات أن كل 100 دولار من مخصصاته قد تحوّلت من درب الإعلان المطبوع والمذاع عبر التلفزيون أو الراديو باتجاه العالم الإلكتروني، وبصورة أوضح فإن الدراسات بيّنت أن 53 دولاراً من أصل المئة ذهبت إلى (Google) و28 دولاراً ل(Facebook) أما ال 19 دولاراً المتبقية فقد تحوّلت إلى شبكات التواصل العديدة الأخرى.
فإذا دققنا النظر، تبين لنا أن إيرادات 
(Facebook) في الفصل الأول من العام الحالي زادت إلى 26.17 مليار دولار، وقد برّرت إدارة هذه الشركة أن هذه الزيادة هي نتيجة الزيادة التي بلغت نسبتها 30٪ من تعرفة الإعلان التي تتقاضاها، وكذلك لزيادة 12٪ في عدد الإعلانات التي بثتها خلال الثلاثة أشهر الأولى من ال 2021. 
مدخول الاشتراكات رجّح قليلاً من الاستمرارية والقدرة على البقاء لدور النشر ومحطات التلفزيون والإذاعة. ولكن خسارة الميزانيات الإعلانية كان لها تأثير رهيب أدى إلى هجرة جماعية للصحفيين والمحررين باتجاه مهن أخرى، مهددين بغياب من يعمل ليلاً نهاراً ليزودنا بالأخبار والحقائق. ومن المؤكد أن جائحة كورونا وعواقبها قد أسهمت في جعل هذا الوضع بمثابة جرعة من السموم، صعُبت على الحكومة الأسترالية تجرعها، خصوصاً بعد توقف عدد كبير من دور النشر، المحبوبة من الناس، عن الصدور. بالطبع حاول بعض الراغبين في تحطيم القيود وعاشقي التغيير، طرح نظرية «البقاء للأفضل» و«سارع لتتأقلم حتى لا تندثر تحت رمال التغيير». ولكن سرعان ما اكتشف الأستراليون، أنه من المستحيل المساومة على حق الجماهير بالحصول على الأخبار الموثوقة المصدر والمحتوى الراقي في جميع الأوقات. 
عندما نتكلم عن حق كل منا بالوصول إلى الخبر الصحيح، يجب أن نضيء على كلفة توفير هذا الخبر من قبل دور النشر ووكالات الأنباء، التي تستقي منها محركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي، أكثر محتواها. فمن البداية في متابعة الخبر حتى النهاية التي تتبلور في نشره، تكلف هذه العملية نحو 100 دولار أمريكي لكل ساعة، أو ما يعادل دولارين لكل دقيقة. هذه الأرقام قد تبدو تافهة من أول نظرة، لكن إن نظرنا إليها على أساس أن كل مقال يُنشر يومياً لمدة 365 يوماً، فالمجموع بالواقع هو مبلغ كبير يتكلفه الناشر بدون أخذ كلفة الطباعة بالاعتبار. على هذه الخلفية، لم يعد مستغرباً أن تتوافق دور النشر والمؤسسات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية حول العالم، مع مبادرة زميلاتها الأسترالية، على أساس أن الجدار الفاصل بين الصح والخطأ في هذا النقاش هو رقيق جداً. فمن منطلق أن كل إنسان له الحق في الحصول على المحتوى وعملية متابعة الأخبار، يجب أن تكون متوفرة للجميع وهذا ما يجعلنا نتساءل، أليس من الإجحاف أن يُجرّم سكان بعض الدول من هذا الحق بسبب خلاف بين دور النشر عندهم وعمالقة التواصل الإلكتروني؟
في النهاية، سيصعب معرفة من الرابح ومن الخاسر في عملية «عض الأصابع» هذه.
هل عملية البحث عن المحتوى والحصول على الخبر يجب أن تبقى محصورة لحين معرفة من الرابح ومن الخاسر في هذا الصراع؟ أو يجب أن نحرر المعادلة ونطلقها ديمقراطياً؟
أستراليا كانت السباقة عندما قررت أن محركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي، عليها أن تشارك وسائل الإعلام ودور النشر بِرَيع الإعلان التجاري الذي تتقاضاه، وهكذا بدأت كل دولة بمراجعة الموضوع متأثرة بالسابقة الأسترالية.
في الهند جاءت ردة الفعل سريعة؛ إذ أقرت أكبر هيئة لتجمع دور النشر، أن على شركات التواصل الإلكترونية اقتطاع 85٪ من مدخول الإعلان لتشارك به. وقد تكون دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعيدة عن التفكير باقتباس المبادرة الأسترالية، لكن التدني الرهيب بمداخيل الإعلان التجاري لدى أغلبية الصحف والمجلات في أسواقنا، قد يُسرّع الرغبة في بعض الأسواق للبدء بإرساء المبررات القانونية والتجارية لتطبيق المعادلة الأسترالية. يتوقع المراقبون أن يتدنى معدل توزيع الصحف عندنا بنسبة 6٪ بحلول نهاية سنة 2022، لكن قبل الوصول إلى هذا المستوى من الهبوط، فقد بدأنا مشاهدة بعد الصحف الرائدة تعتمد أسلوب تقاضي اشتراك مالي مقابل السماح بولوج صفحاتها الإلكترونية، بينما توقف البعض الآخر عن إصدار النسخ المطبوعة كجريدة السفير اللبنانية.
أما الحجة الأخرى للإسراع بإصدار قوانين توجب الدفع لقاء الولوج إلى المحتوى على المنصات الخاصة بالشركات الإلكترونية الكبرى، فهي عامل اللغة العربية، اللغة المستعملة في كل الدول من المحيط الهادئ إلى الخليج العربي. اللغة التي يتفاهم بها 3.5٪ من سكان الكرة الأرضية، والتي ما فتئت تعاني بطء التأقلم مع التطور الإلكتروني وعدم مواكبة زخم التطور على طريق الإعلام السريع. فبين العشرة ملايين صفحة إخبارية إلكترونية، فقط 1.1٪ تنشر باللغة العربية. إضافة إلى أن 85٪ من مستعملي الإنترنت في السعودية ومصر، و50٪ في دولة الإمارات يستعملون العربية على متن محرك 
(Google) للبحث. لذلك فإنه مع النسبة المرتفعة للبحث عن المحتوى الإلكتروني باللغة العربية، والتدني في توفير الأخبار باللغة العربية أولاً، سيؤدي حتماً إلى انخفاض الإعلان عبر نشرات الأخبار العربية التي بقيت حتى الأمس أغلى فترة إعلانية في كل تلفزيونات المنطقة.
من الواضح أن الأغلبية من رجال الأعمال والتربية والحكومات والطلاب في دول مجلس التعاون الخليجي، ما زالوا في حالة انبهار من تمدد «الفيسبوك» و«جوجل» في المنطقة، وبكل جديد يقدمه عالم الإلكترونيات الكبيرة الذي يزداد يوماً بعد يوم. لذلك تبدو فكرة استيراد الحرب الأسترالية إلى منطقتنا بعيدة المنال، إلا إذا تكتلت دور النشر في إحدى أسواقنا ورفعت الصوت بالشكوى من ريع الإعلان المتدني وجشع الضيوف القادمين من عالم الإلكترونيات. حتى ذلك الوقت من المؤكد أن النفسيات ستتحضر لإصدار القوانين المنصفة حتى لا يضيع المجهود الذي ما فتئت دور النشر المحلية القيام به في تطوير دول المنطقة والمساهمة الكبيرة في النهضة والإعمار.

عن الكاتب

رئيس مجلس إدارة مجموعة «تي بي دبليو أيه رعد» TBWARAAD الإعلانية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"