محـنـة الـلاجـئـيـن

تطور الحماية الإنسانية في القانون والممارسة الأوروبية
00:50 صباحا
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
ليف فيجين
ليف فيجين محامية سويدية متخصصة في القانون الدولي العام. عملت مستشارة قانونية للأمم المتحدة منذ العام 1997 في المقر الرئيسي بجنيف، وكذلك في شمال أوروبا والبلقان وإفريقيا وآسيا

شهدت الأعوام الماضية معركة غير مسبوقة داخل أوروبا بين القيم والبراغماتية، وبين مصالح الدول وحقوق الأفراد، وأثبتت الكثير من القوانين الوطنية أنها لا تتلاءم مع حالات اللجوء والحماية الإنسانية للفئات المجتمعية الهاربة من الحروب والنزاعات. يتناول هذا الكتاب كيفية تطور شكل الحماية الإنسانية في القانون والممارسة الأوروبية.

 يبحث الكتاب في الاعتبارات الإنسانية ومراقبة الهجرة من منظورين؛ أحدهما واسع وأكثر فلسفية، والآخر أكثر عملية. ترى الكاتبة أنه يمكن أن يعتمد الدافع لإظهار التعاطف مع فئات معينة من الأشخاص الذين يعانون من جوانب الضعف على الفكر الديني والفلسفي والسياسي، ويمكن أن يختلف مظهر هذا التعاطف من فكرة العمل الخيري لمساعدة «البائسين» في وطنهم، إلى المساعدة الإنسانية ل «المحتاجين البعيدين» في الأراضي الأجنبية، وأخيراً، إلى سياسات الهجرة التي تقرر من يقبل أو يطرد من بلد اللجوء. وتشير إلى أن الممارسة المحلية الأوروبية للحماية الإنسانية مستمدة من القانون العابر للحدود الوطنية بشكل متزايد من خلال توسيع قوانين الاتحاد الأوروبي بشأن اللجوء، وتفسيرات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 هذا الكتاب الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج (1 إبريل 2021) ضمن 300 صفحة باللغة الإنجليزية، هو تعديل لرسالة الدكتوراه الخاصة بالكاتبة ليف فيجين للعام 2016، والتي دافعت عنها في معهد الدراسات العليا للدراسات الدولية والتنمية في جنيف حول العلاقة بين الاعتبارات الإنسانية ومراقبة الهجرة في أوروبا. تقول الكاتبة: «لقد حصلت على الإلهام في الأصل لإجراء بحث في هذا المجال عندما عملت في حقل اللجوء في بلدان الشمال الأوروبي من العام 2009 إلى العام 2012، وهي منطقة تم فيها تطوير القانون والممارسات المتعلقة بتصاريح الإقامة لأسباب إنسانية تماماً. لقد وجدت أنه من الرائع توضيح كيف أثرت المفاهيم الإنسانية على الرأي العام، ولكن أيضاً في بعض الحالات، دفعت إلى تغييرات تشريعية، في حالات الترحيل المخطط للأشخاص الذين بقوا لفترة طويلة في البلد المضيف، خاصة الأطفال غير المصحوبين بذويهم دون مقدمي الرعاية والأشخاص المرضى الذين من الواضح أن حالتهم ستتدهور إذا أعيدوا».

وتضيف: «إن ما يسمى بأزمة اللاجئين، التي حدثت في أوروبا بين عامي 2015 و2016، أدت بشكل لافت للنظر إلى تعقيد العلاقة بين الاعتبارات الإنسانية والهجرة التي تتحكم في التكامل والاعتماد المتبادل بين المفهومين، ولكن أيضاً التناقضات المتأصلة. بعد زيادة عدد المتقدمين للحصول على الحماية الدولية، تم تقييد ممارسة منح تصاريح الإقامة لأسباب إنسانية أو تعليقها مؤقتاً في العديد من البلدان. ومع ذلك، بدأت المناقشة مرة أخرى حول أهمية وضرورة الاحتفاظ بالاعتبارات الإنسانية في سياسات الهجرة المحلية والإقليمية، بما في ذلك منح تصاريح الإقامة على أسس إنسانية».

موجة الهجرة في 2015

خلال صيف عام 2015 واجهت أوروبا وضعاً لا يمكن تصوره. وكانت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين قد أفادت في وقت سابق من العام بأن عدد المشردين الذين تعنى بهم المنظمة وصل إلى مستويات غير مسبوقة مع ما يقرب من 60 مليون مشرد قسرياً على مستوى العالم، منهم 20 مليوناً من اللاجئين ومليونا طالب لجوء. تعلق الكاتبة: «ومع ذلك، ظل التهجير الهائل أمراً عصياً على فهم معظم الناس في الغرب، على الرغم من تنظيم حملات جمع التبرعات لدعم الملايين في المخيمات في البلدان المحيطة بسوريا، وعرضت صور الرعب على شاشات التلفزيون للفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا».

 وتضيف: «في ذلك الصيف، تغير كل شيء. بدأت القوارب التي تقل اللاجئين والمهاجرين تصل إلى الشواطئ الأوروبية بأعداد أكبر وأصبح العدد الكبير للأشخاص الذين لقوا حتفهم أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط ​​واضحاً. جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء عندما انتشرت صورة جثة صبي صغير يدعى إيلان كردي، على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الأخبار. أصبحت صورة الطفل السوري البالغ من العمر ثلاث سنوات، الذي تم العثور عليه على حافة المياه على شاطئ سياحي تركي غرقاً، ووجهه للأسفل، رمزاً لفشل النزعة الإنسانية في أوروبا، وأصبحت فعلياً دعوة عفوية للصحوة على مستوى العالم إلى أخذ الاعتبارات الإنسانية بشكل أكثر تأثيراً في سياسات الهجرة».

 وتؤكد فيجين أنه يمكن القول إن صورة إيلان استُخدمت من قبل وسائل الإعلام للتلاعب بالرأي العام ولإضفاء طابع شخصي على كارثة الهجرة بشيء يمكن أن يرتبط به معظم الناس، وهو طفل صغير كانت والدته تلبسه في الصباح قميصاً أحمر وبنطالاً أزرق، وعثر عليه ميتاً في المساء. يمكن القول أيضاً إن وسائل الإعلام كانت تعمل على تلبية احتياجات سوق المعاناة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يزيد من نسبة مشاهدي قنواتهم أو صحفهم. 

 ومع ذلك، فإن فرضية هذا الكتاب هي أن هناك واجباً أخلاقياً متصوراً لقبول أو الامتناع عن طرد فئات معينة من الأشخاص على أساس القيم الإنسانية الراسخة بعمق في التقاليد الدينية والفلسفية، وأن هذا يتغلغل في سياسات الهجرة في العديد من البلدان. نتيجة لذلك، إذا لم تأخذ سياسات الهجرة هذا الواجب في الاعتبار، فستكون هناك ردود فعل من قبل الجمهور، وكذلك من قبل السياسيين والمشرعين.

 وترى أنه لا يقتصر استخدام الحماية الإنسانية على أوروبا، ولكن التشريعات في دول مثل الأرجنتين وأستراليا والبرازيل وكندا واليابان وكوريا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة توفر أيضاً هذه الإمكانية الإضافية للسماح للأشخاص الذين لم يطلبوا اللجوء من البقاء. تُستخدم الحماية الإنسانية لاستكمال حالات الحماية الأخرى المعترف بها، وقد يكون لها تسميات مختلفة، مثل «الظروف الاستثنائية»، و«الأسباب الإنسانية»، و«أسس التعاطف والظروف الفردية». في معظم الحالات، يتم استخدام هذا النوع من تصاريح الإقامة لمنع العودة، ولكن في بعض البلدان، يعتبر شكلاً من أشكال تصريح الدخول.

 القانون العابر للحدود الوطنية

 إن ممارسة منح الحماية الإنسانية ليس لها أساس قانوني واضح في القانون الدولي، لكنها تعتبر ممارسة محلية بحتة يحكمها القانون والممارسات الوطنية بحسب الكاتبة، وترى أنه تم استخدامها في البداية لتكملة وضع اللاجئ في العديد من البلدان كحكم شامل «يسلط الضوء على أولئك الذين لا يندرجون تحت تعريف اللاجئ، أو لا يتم تفسيره على أنه يقع ضمن تعريف اللاجئ، أو كشكل من أشكال العفو لمجموعات أكبر من الأشخاص في وضع مشابه للاجئ». ومع ذلك، وكما يتضح في الكتاب، فإن ما بدأ كممارسة وطنية أصبح قانوناً عابراً للحدود الوطنية، في مرحلتين متميزتين؛ أولاً، من خلال تطوير نظام لجوء أوروبي مشترك داخل الاتحاد الأوروبي، وثانياً، من خلال تفسير قانون حقوق الإنسان من خلال فقه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 ينصب التركيز الرئيسي لهذا العمل على القانون والممارسات الأوروبية، ولكن بما أن مفهوم الحماية الإنسانية قيد الاستخدام أيضاً في مناطق أخرى، وعلى الأخص في الأمريكتين ونيوزيلندا وأستراليا، وإلى حد ما، في بلدان آسيوية أخرى، فإن المراجع تُصنع في جميع أنحاء هذه البلدان أيضاً لهذه الأمثلة وأنواع الحماية الإنسانية.

 كانت المرحلة الأولى من تنسيق وتحويل الحماية الإنسانية إلى قانون عابر للحدود من خلال إدخال الحماية الفرعية في الاتحاد الأوروبي، التي تضمنت فئتين من الفئات الممنوحة سابقاً للحماية الإنسانية في الممارسة الوطنية، وهما الأشخاص الذين يفرون من العنف العشوائي في المواقف الداخلية أو النزاعات الدولية، وأولئك الذين كانوا معرضين لخطر التعذيب أو المعاملة أو العقوبة اللا إنسانية أو المهينة في بلدانهم الأصلية. أقر الاتحاد الأوروبي بوجود فئات أخرى مُنحت الحماية الإنسانية في الممارسة المحلية، لكنه قرر إرجاء تنسيق هذه المجموعات حتى المرحلة التالية من تطوير نظام لجوء أوروبي مشترك. 

 وفي الوقت نفسه، تم تقديم طلبات إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لمنع ترحيل الأشخاص الذين تم رفض طلباتهم للحصول على تصاريح إقامة للأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية، أو الأطفال غير المصحوبين بذويهم أو الأشخاص الذين لهم أقارب، أو روابط أخرى، في البلد المضيف. وبناءً على ذلك، تم تطوير الاجتهاد القضائي، بحيث ينسق حظر الترحيل لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان بما يتجاوز مبدأ الإعادة القسرية، لا سيما من خلال تفسير المادة 8 المتعلقة بالحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية. يتوافق تفسير مجموعة أوسع من أحكام حقوق الإنسان لمنع العودة مع الممارسة الوطنية القائمة في العديد من البلدان لمنح تصاريح الإقامة لأسباب إنسانية، ويشكل المرحلة الثانية تنسيق الحماية الإنسانية وإضفاء الشرعية عليها.

 تركز بعض البلدان في ممارساتها الوطنية بشأن الممارسات الإنسانية بشكل أكبر على جوانب معينة، على سبيل المثال فرنسا في الحالات الطبية، والمملكة المتحدة على الروابط الأسرية، ولكن من خلال تفسير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان للمادة 8، كان هناك تنسيق متزايد النطاق لمعايير الأدلة ومعايير تقييم انتهاكات هذه الحقوق. يمكن التساؤل عن سبب تحول المادة 8، بدلاً من المادة 3، بشكل متزايد إلى الحكم الإنساني الجديد، وتكمن الإجابة على الأرجح في حقيقة أن المادة 8 تسمح بتقييم التناسب حيث يمكن قياس احتياجات الفرد وحقوقه مقابل مصالح الدولة.

 تقول الكاتبة: «تطورت الحماية الإنسانية من عمل خيري إلى الاعتراف بها على أنها استحقاق قانوني من خلال الأطر الإقليمية المطبقة أساساً في أوروبا. ويبقى السؤال ما إذا كان هذا كافياً أو ما إذا كان ينبغي زيادة توضيح الضرورة الإنسانية لحمايتها من المواقف التي تكون فيها المصالح الوطنية، أو المصالح الوطنية المتصورة، مسبوقة ويتم تقييد الحماية الإنسانية».

بنية الكتاب

يبدأ الفصل الأول بمناقشة «البعد الأخلاقي لسياسات الهجرة» من خلال وصف الجوانب الرئيسية للفلسفة والمدارس الفكرية التي أثرت في سياسات الهجرة المعاصرة، بما في ذلك تصور واجب قبول الأشخاص الذين هم في وضع ضعيف، متبوعاً بكيفية تأثير النظريات والممارسات المتعلقة بتقديم المساعدة الإنسانية في البلدان الأخرى على السياسات المحلية للدول، وفي بعض البلدان، تطورت إلى إيديولوجية الدولة. كان للنزعة الإنسانية كمعيار تأثير كبير على تطوير سياسات الهجرة، وإن كان ذلك دائماً في التنافس مع المصالح الوطنية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والسياسي وأهداف السياسة الخارجية في البلاد. وقد امتد من المفهوم الأصلي للرحمة ليشمل بشكل متزايد مفاهيم الكرامة الإنسانية والعدالة.

تقدّم المؤلفة أمثلة على كيفية تأثير الالتزام بالجوانب الإنسانية في سياسات اللجوء في مختلف البلدان بشكل صريح أو ضمني وكيف اتخذت المؤسسات المجتمعية المختلفة، مثل الكنيسة والقضاء والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، موقفاً لضمان انتشار القاعدة الإنسانية. اختارت المؤلفة دول الشمال، على وجه الخصوص، السويد والنرويج وفنلندا والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا لدراسات الحالة هذه نظراً لأن لديها تقاليد إنسانية متميزة للغاية أثرت على تطوير مفهوم أوروبي عابر للحدود الوطنية للحماية الإنسانية من خلال إحالة الحالات إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والسوابق القضائية اللاحقة لها.

يتابع الكتاب بالفصل الثاني، وهو الوصف التاريخي لتطور الحماية الإنسانية ضمن قانون اللجوء في القانون الدولي، وعلى وجه الخصوص، من خلال تطوير مكتسبات الاتحاد الأوروبي بشأن اللجوء. يسعى الفصل إلى شرح الروابط بين الحماية الفرعية والحماية الإنسانية ضمن إطار عمل الاتحاد الأوروبي.

يأخذ الفصل الثالث بعنوان «الحماية الإنسانية أم حماية حقوق الإنسان؟» بعين الاعتبار الفئات المختلفة التي تتلقى الحماية الإنسانية في الممارسة الوطنية بسبب الصحة أو العمر أو الروابط الأسرية أو غيرها من الروابط مع البلدان المضيفة، ودراسة الحجج لكل من الحماية الإنسانية وحماية حقوق الإنسان، بناءً على القانون الدولي والأوروبي لحقوق الإنسان.

ويبحث الفصل الرابع الحل الإنساني للأشخاص ذوي الاحتياجات الأخرى المعترف بها للحماية الدولية، في الفئات التي تم الاعتراف باحتياجها للحماية وفقاً للقانون الدولي، ولكن عندما تكون المصادر القانونية غير واضحة أو حيث لا ينص الإطار القانوني الدولي على نوع تصاريح الإقامة التي يحق لهم الحصول عليها. في الممارسة المحلية، غالباً ما يتلقون الحماية الإنسانية من أجل الحصول على تصريح إقامة. ومع ذلك، بالنسبة لهذه الفئات أيضاً - ضحايا الاتجار بالأشخاص النازحين بسبب العوامل البيئية والأشخاص عديمي الجنسية - هناك مبرر إنساني، بالإضافة إلى القانوني، يوجب على الدول منح الحماية أخيراً.

يستكشف الفصل الخامس بعنوان «الحماية الإنسانية: من قانون الصدقة نحو التزام قانوني» كذلك الاستخدامات الإضافية للحماية الإنسانية في الممارسة الوطنية، بما في ذلك تسوية أوضاع مجموعات المهاجرين غير النظاميين والاستجابة التقديرية للاحتياجات الفردية، وما إذا كانت هناك حاجة إلى وضع الحماية من الدرجة الثالثة في حالة اعتراف، بناءً على الممارسة الحالية بشأن الحماية الإنسانية.

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

لاجئون سوريون في تركيا
لميس علمي عبد العاطي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
أنجيلا بورن
1
كجيل أوستبيرج
تغير المناخ يزيد من الهجرات في العالم
درو بيندرجراس وتروي فيتيس
1
زاندر دنلاب
1
ميريام لانج وماري ماناهان وبرينو برينجل
جنود في كشمير
فرحان م. تشاك
1
داون سي ميرفي