لبنان والمنظومة الحاكمة

00:33 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد نورالدين

ينهي لبنان شهره السابع ولمّا ينجح بعد في تشكيل حكومة جديدة في حين يكون مضى على استقالة حكومته الحالية عشرة شهور.

 وقد اعتاد لبنان منذ اغتيال رئيس حكومته السابق رفيق الحريري في العام 2005 على أن يستنزف أوقاتاً طويلة قبل تكليف شخص بتشكيل حكومة جديدة ليستنزف وقتاً أطول في تشكيلها. كذلك ينسحب الأمر على موقع رئيس الجمهورية الذي يشغر من وقت إلى آخر دون الاتفاق على انتخاب بديل، فيمضي لبنان سنوات أحياناً دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وعلى سبيل المثال استغرق الاتفاق على انتخاب الرئيس الحالي ميشال عون في خريف 2016 سنتين ونصف السنة ضمن فراغ بقيت البلاد خلاله من دون توازن ومن دون رئيس للجمهورية.

 وفي الغالب فإن الدول العادية ولا أقول المتمدنة تعمل على تنقيح قوانينها وتجديد بعض بنود دستورها كلما احتاجت البلاد والتطورات لذلك. والجميع يعلمون أن لبنان منذ العام 1990 تقريباً وهو محكوم بدستور جديد يوصف اتفاقاً بأنه دستور الطائف وهي المدينة السعودية التي تداعى إليها نواب البلد في صيف 1989 وأقروا فيها وثيقة أصبحت دستوراً وعرفت باسم «اتفاق الطائف».

 أهمية هذا الاتفاق الوحيد أنه أنهى الحرب الأهلية المدعومة خارجياً. ولا نغالي بتعبير «الوحيد»، لأن ما عدا ذلك كان هذا الاتفاق مصائب تتلوها مصائب. ولم تظهر للعلن هذه المصائب أثناء تواجد القوات السورية المدعومة من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وعندما خرجت هذه القوات عام 2005 بعد اغتيال الحريري انكشفت عورات الطائف التي كان يغطيها الوجود السوري وكون دمشق الآمر الناهي ومجدداً برضى أمريكي- عربي.

 ومنذ «انكشاف» لبنان لم يعد فيه راع واحد بل عدة رعاة تجاذبوا البلد فنهشوه وسلخوه مثل البقرة التي تقع فيكثر ذابحوها. وكون لبنان متعدد الطوائف المتناحرة فقد وجد هؤلاء الرعاة البيئة خصبة للدخول والتدخل واللعب بمقدرات البلد.

 كان الانسحاب السوري مدعاة للتفكير في تلافي ثغرات اتفاق الطائف، لكن أحداً لم يكن يرغب في ذلك. فالطوائف الإسلامية كانت تخشى خسارة مكتسباتها من الطائف فيما كان المسيحيون عاجزين عن فرض مطالبهم باستعادة بعض الحقوق المسلوبة. وهكذا بدأت الخلافات التي استحالت عقداً وصراعات بين الطوائف.

 ومن هنا بدأ صراع كل طائفة من أجل تحسين موقعها في الدولة، بدل أن تبحث عن تحسين موقع الدولة على حساب مصالح الطوائف الضيقة. وهكذا استمر التشنج والتوتر بل الصدام أحياناً على امتداد خمسة عشر عاماً ولا زلنا فيها إلى أن انهار البلد وأفلس وانتشر الفقر وضعفت الليرة اللبنانية بمقدار تسع مرات.

 كان يفترض أن يعالج الجميع ثغرات «الطائف» لأن الحديث عن تغييره سيعني حرباً أهلية جديدة. فليس من بلد في العالم لا يحدد لرئيس حكومة مكلف سقفاً لتشكيلة الحكومة فيبقى يحاول التأليف أو لا يريد التأليف أشهراً وسنوات. وليس من بلد يفرض على رئيس الجمهورية الإجابة عن القوانين خلال أسبوعين فيما الوزير يمكن أن ينام القانون في أدراج مكتبه من دون تحديد مدة للبت به. كذلك ليس من بلد في العالم يخالف الدستور ولا يدعو لانتخابات فرعية نيابية ينص عليها الدستور في حال شغور المقعد النيابي. وهكذا تراوح الأوضاع في لبنان مكانها تارة لخلافات بين الطوائف وتارة لعدم احترام الدستور وطوراً لعدم تحديث الدستور.

 الجميع يعملون خارج الدستور والقوانين. انفجار مرفأ بيروت بعد عشرة شهور من وقوعه لا أحد يعرف سببه. وسرقة أموال المودعين واحتجازها مرّت عليها سنة ونصف السنة ولا أحد يحاول معرفة المسؤول ويحاسَب. لبنان بكل معنى الكلمة «عصفورية» (مستشفى مجانين) لكنها عصفورية منظمة كل شيء فيها بمقدار. فالمسؤول السياسي ثم المالي ثم الأمني ثم القضائي يشكلون منظومة واحدة متماسكة ومقفلة لا يستطيع أحد فضّها ليدخل إلى مغارتها فيحاسب. فهنا المرتكب والمغطي على المرتكب والعاجز عن محاسبة المرتكب. وكلهم في نهب المواطن المسكين سواسية. ومن يتحدث عن انتخابات نيابية مبكرة أو التعويل على التغيير في انتخابات نيابية عادية بعد سنة إنما هو أقرب إلى دون كيشوت الذي يحارب طواحين هواء هي أقرب إلى طواحين فولاذ. ومع ذلك فإن الأمل بالتغيير يبقى أضعف الإيمان علّ اللبناني يصل إلى أقواه وهو هدم «المنظومة» الحاكمة.

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"