صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد نور الدين
باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية
أحدث مقالات محمد نور الدين
21 سبتمبر 2024
الـ «بريكس».. وخيارات تركيا

محمد نورالدين
لم تعد مجموعة دول البريكس العشر مجرد نظرية على ورق، فهي تتقدم على أرض الواقع وتجذب المزيد من الدول، وبعدما كانت تضم خمس دول، هي: روسيا، الصين، الهند، البرازيل وجنوب إفريقيا، أصبحت عشراً بعد الانضمام الرسمي إليها مطلع العام الحالي من قبل السعودية والإمارات وإيران ومصر وإثيوبيا.
«مجموعة العشر».. هذه يمكن أن تصبح 11 دولة بعدما تقدمت تركيا بطلب انضمام إليها قبل أسابيع.
في الشكل يمكن القول إن هذه المنظمة تزداد حضوراً، وهي تسعى لتكون قوة اقتصادية تواجه كتلة الاتحاد الأوروبي كما القوة الأمريكية، أو هكذا يحمّلها المراقبون، وفي هذا الإطار أنشأت المجموعة بنكاً للتنمية بميزانية 100 مليار دولار ومنح قروض تصل إلى خمسة مليارات دولار سنوياً لمشاريع استثمارية في الدول الأعضاء، وربما تأتي محاولة التداول بالعملة المحلية خطوة طموحة للاستغناء عن الدولار كعملة تداول عالمية أو التقليل منها.
ومع أن هذه المبالغ متواضعة قياساً إلى ميزانيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حيث ميزانية هذا الأخير فقط تقارب الألف مليار دولار، فإن العمل على تغيير قواعد النظام الاقتصادي العالمي تستغرق وقتاً طويلاً قد يصل إلى عقود، هذا إذا كانت الخطوات ثابتة وجدية، لذلك فإن تركيا عندما تقدمت بطلب العضوية لم يكن العامل الاقتصادي في أساس الطلب وهذه مفارقة.
العلاقات الاقتصادية التركية مع الغرب تشكل أكثر من 60% من حجم التجارة الخارجية التركية، وكلها بالدولار أو باليورو، كما أن 80% من الاستثمارات الأجنبية في تركيا هي من دول الاتحاد الأوروبي فقط، وبالتالي فإن ما قد تقدمه مجموعة «البريكس» لتركيا صغير، ومع ذلك فإن تركيا تراهن على أن الخطوة في حال تحققها سوف تفتح أمام الاقتصاد التركي نافذة استثمارية ومالية جديدة مهما بلغ حجمها، صغيراً كان أو كبيراً، وفي الأساس فإن تركيا كانت قد بدأت مثل هذا الانفتاح الاقتصادي منذ سنوات على روسيا والصين وتجارتها الخارجية معهما أكبر من العلاقات مع أي دولة أخرى منفردة، وإن كان الميزان يميل بشكل كاسح لصالح روسيا والصين.
لكن عضوية «البريكس» تكتسب بالنسبة لتركيا أهمية أخرى وحساسة، بل موضع نقاش وتساؤلات، فالعامل الاقتصادي لم يكن دافعاً حاسماً لطلب تركيا عضوية «البريكس»، ويجب التفتيش بالتالي عن سبب آخر سيكون العامل السياسي في أساسه.
يرى الكاتب محمد علي غولر، أن مجرد الغموض الذي أحاط أساساً بطلب تركيا والإعلان عنه من قبل موسكو وليس من قبل أنقرة يخفي تكتيكات تركيا واللعب على أكثر من حبل، فهي تريد الانضمام ولا تريد، بل ربما تستخدم هذه المسألة ورقة في سياساتها الخارجية، وهذا ربما ديدن سياسات الحكومة التركية في أكثر من قضية على الصعيد الخارجي، فتركيا دولة تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي، وبالتالي في حال انضمت إلى «البريكس» ستكون الدولة الأطلسية الوحيدة في هذا المجال.
التوقيت لا شك ذو دلالة كبيرة، فهو يأتي في غمرة اصطفاف عالمي شديد وسط حربين كبريين في أوكرانيا وفلسطين، وهذا يجر إلى وضع أكثر من علامة استفهام على الدور التركي يذكّر مباشرة بمسألة صواريخ إس 400 التي اشترتها تركيا من روسيا، إذ كيف لدولة أطلسية أن تنضم إلى مجموعة فيها، بل رائدتها دولة معادية للغرب مثل روسيا وأخرى منافسة بقوة للغرب هي الصين.
هذا ما فعلته تركيا عندما رفض الغرب تزويدها بصواريخ «باتريوت» لحماية مجالها الجوي في وجه «التهديدات» الإقليمية، سواء من الشرق او اليونان وقبرص، وعندما رفضت الولايات المتحدة بيع تركيا «باتريوت»، وعندما حصلت محاولة انقلاب على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عام 2016 اتجه إردوغان الى روسيا التي وافقت فوراً على صفقة إس 400.
وتلت ذلك بداية مرحلة تذبذب في العلاقات التركية الأمريكية لا تزال حتى الآن، يقول أحد رجال الأعمال والسياسة الأتراك جاويد تشاغلار، الذي توسط بين روسيا وتركيا بعد إسقاط الطائرة الروسية في خريف 2015، إن المسألة واضحة: تلغي تركيا صفقة «إس 400» تعود العلاقات بين أنقرة وواشنطن إلى طبيعتها.
لم تكتف الولايات المتحدة بالضغط على تركيا لتجميد صفقة الصواريخ أو عدم استخدامها، بل أخرجت تركيا من مشروع إنتاج طائرات «إف 35» المقاتلة المتطورة، الآن ربما يكرر التاريخ نفسه، تركيا تطلب ود مجموعة «البريكس»، و«البريكس» سوف توافق وهي تعرف تماماً أن الخطوة ليست اقتصادية في العمق بل سياسية، وترى الباحثة نيلغون آريصان، أن طلب تركيا الانضمام هو «رفع يد تركيا ضد الغرب»، فيما ترى الباحثة مهدان صاغلام، أن هدف تركيا من طلب الانضمام أن تكون «البريكس» منصة اعتراض على السياسات الغربية ضد تركيا.
تركيا تشكو تلكؤ الاتحاد الأوروبي في المحادثات مع تركيا لأسباب «واهية»، وينحاز الغرب بالكامل إلى جانب إسرائيل على حساب الفلسطينيين، ويعمل على تدعيم القدرات الدفاعية لعدوين لدودين لتركيا، هما اليونان وقبرص الجنوبية، كما أن تركيا تشكو من الدعم الأمريكي الكامل للقوات الكردية في شرق الفرات بسوريا والتي تصفها تركيا ب «الإرهابية».
لذلك فإن غموض دوافع طلب الانضمام التركي إلى مجموعة «البريكس» يعكس في العمق جانباً من الارتباك التركي في سياساتها الخارجية بعمل الشيء ونقيضه، وهذا مؤشر على أن تركيا تبتعد كثيراً عن سياسات الحياد الواقعية التي اتبعها مؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك في عهده (بمعزل عن سياساته الداخلية الاستئصالية ومسألة لواء الاسكندرون)، والتي غمز من طرفها مؤخراً الرئيس المصري عبدالفتاح السياسي بعيد مغادرته أنقرة.

  

7 سبتمبر 2024
الصدع المستجد في العلاقات الأذرية - التركية

محمد نورالدين

شكلت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيراً، إلى أذربيجان، علامة مفصلية في إعادة تركيب أحجار النفوذ في منطقة جنوب القوقاز، فالاهتمام الأذري بالزيارة كان استثنائياً، وأقل وصف أذري لروسيا أنها حليف استراتيجي.
خلال الزيارة، أو ربما مباشرة بعد انتهائها، كانت باكو تقدم طلباً للانضمام إلى منظمة «بريكس» التي تعتبر روسيا والصين حجرَي الزاوية فيها، ومع أن «بريكس» توجد فيها دول موالية للغرب، غير أن خيارات باكو الخارجية تتحدد بصورة كبيرة تبعاً لمواقف الدول من عدوّة أذربيجان الأولى، أي أرمينيا.
يقول الكاتب الأذري ألتشبن جعفروف، إن إعادة تشكيل الاستقطاب من جديد في منطقة القوقاز يعزز المحور الروسي الأذري، مقابل المحور الآخر المؤلف من أرمينيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لكن في خضم هذا المشهد لا يمكن تجاهل وجود أحد أهم اللاعبين في المنطقة، وهو تركيا، التي تحظى بعلاقات متشعبة، وواسعة مع كل الأطراف المعنية بالمنطقة، فأنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي، ولها علاقات متنامية ومهمة مع روسيا، كما لها علاقات «استراتيجية» مع أذربيجان، إلى درجة وصف شعبي البلدين بأنهما «شعب واحد في بلدين»، غير أن تركيا التي عرفناها هكذا في علاقاتها الأذرية، تواجه تحدياً قد لا يكون حله مستعصياً، لكنه جدير بالتوقف عنده.
العلاقات الاستراتيجية التي بدت في لحظة متماسكة وقوية، شهدت منذ 27 يوليو/ تموز الماضي خضة قوية، يومها خرج أردوغان بتصريحه الشهير بقوله «كما دخلنا قره باغ، وكما دخلنا ليبيا، سنكرر الأمر نفسه تجاههم»، وكان يقصد بذلك الإسرائيليين، في سياق انتقاد إسرائيل لعدوانها المتمادي على غزة، غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ خرجت وزارة الدفاع الأذرية لتردّ على أردوغان، بالقول إن انتصار أذربيجان على قره باغ تحقق بسواعد الجيش الأذري، وحده، من دون أي مشاركة من أي طرف آخر.
التزمت تركيا الصمت حينها، لكن ما لبثت صحيفة أذربيجان الرسمية أن كتبت افتتاحية مطولة في الأول من أغسطس/ آب، من دون توقيع، فنّدت فيه ادعاء أردوغان المشاركة في الحرب الوطنية الأذرية ضد أرمينيا عامَي 2020 و2023.
لا شك في أن تصريحات أردوغان هذه قد أصابت الرئيس الأذري الهام علييف، في الصميم، فالأخير أظهر نفسه بطلاً للحرب الوطنية، وتحرير الأرض، وتوحيد الوطن، وبات «الزعيم غير المنازع» داخل أذربيجان، وفاز في انتخابات رئاسية مبكرة في 6 فبراير/ شباط الماضي، بنسبة 92%، والقول إن تركيا كانت شريكة مباشرة في الحرب يسيء إلى النصر الذي تحقق، وإلى صورة البطل الوطني، كما يقلل من شان أذربيجان كدولة صاعدة بقوة على الصعيد الإقليمي، لذلك لم يكف بيان وزارة الدفاع حتى ألحق بافتتاحية مطولة عن الموضوع.
جاء في افتتاحية «أذربيجان»، أن الجيش الأذري «أنهى في حربَي 2020 و2023 مئتي عام من الألاعيب الأرمنية، وهذا النصر هو الأعظم على امتداد تاريخنا، وأظهر بلدنا على الساحة الدولية زعامة حاسمة، ولاعباً مهما اقتصادياً وسياسياً»، وعزت الافتتاحية هذا الانتصار إلى الجيش الأذري، وحده.
وفي تلميح إلى كلام أردوغان، جاء في الافتتاحية أن البعض في تركيا هدّد بدخول القدس كما دخل قره باغ، و«هذا كلام عار عن الصحة، وصادم، وهدفه التحريض، ومؤسف ممن يعتبرون أنفسهم أصدقاء لأذربيجان، وعلى الجميع في تركيا أن يعملوا على نفي هذه الأكاذيب التي تؤذي مصالح الشعبين».
وجاء أيضاً، أن أذربيجان عبر نخجوان عملت على التقريب بين تركيا والعالم التركي، وفي أذربيجان عملت مئات الشركات التركية، وكانت أذربيجان مدافعة عن تركيا في المحافل الدولية.
وقالت الافتتاحية «إن تركيا قدمت خلال الحرب الوطنية دعماً، سياسياً ومعنوياً، لأذربيجان ونحن لها شاكرون.. إن للنصر آباء كثراً، أما الهزيمة فيتيمة، ونحن نأسف لادعاءات كاذبة حول المشاركة في النصر»، وقالت بلهجة حادة: «إن نتائج نصر أذربيجان هي لكل العالم التركي، لكن مهندس النصر وصانعه لا دخل لتركيا فيه، وإن الحديث عن مساعدات تركية عسكرية لتحرير الأراضي كاذب من أساسه».
وانتهت الافتتاحية المطولة إلى القول، إن أذربيجان استفادت من التكنولوجيا العسكرية، وأسلحة الدول الأخرى، بما فيها مسيّرات بيرقدار، التركية، لكننا دفعنا ثمنها كلها، ولم تكن بالمجان، والذي انتصر ليست الإمكانات العسكرية، بل جنودنا، وضباطنا. إنه نصرنا، يكفي أن نكون واضحين ومستقيمين».
حتى الآن تركيا لا تلتزم الصمت، ويأخذ الصحفي مراد يتكين، على أردوغان «تمنينه» أذربيجان، ويقول إنه إلى جانب تركيا، فإن اسرائيل وباكستان كانتا الأكثر مساعدة لأذربيجان، لكن أياً منهما لم يقل ذلك، والآن العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل أقوى مما كانت عليه قبل عملية «طوفان الأقصى»، أما فهيم طاشتكين في «غازيته دوار»، فيرى في زيارة بوتين، واهتمام علييف الكبير بها، محاولة من باكو لتعديل موازين القوى التي اختلت في السنوات الأخيرة لمصلحة تركيا.
ويترقب الكثير مآل العلاقات بين تركيا وأذربيجان بعد هذا الصدع، وليست مصادفة أن فلاديمير بوتين الذي لا يجد منذ سنتين الوقت لزيارة تركيا، نراه فجأة في باكو، وسط احتفاء بالغ. قد لا يكون الخلاف الحالي بين أنقرة وباكو سوى زوبعة في فنجان، لكن ليس من السهولة ان يتراجع أردوغان عن كلامه، فالسهم خرج من القوس، ومصالح الدول القومية الناشئة مثل أذربيجان، تتقدم العُراضات الكبيرة الخاصة بالعالم الاسلامي، أو التركي، والتي يحاول البعض، ومنهم أردوغان، أن يتصدّرها، لذا ينتظر الجميع ما سيكون عليه المخرَج لفضّ الخلاف بين البلدين، خصوصاً أن القوقاز تنتظره قضايا كثيرة معقدة.

23 أغسطس 2024
تركيا.. بين سوريا والعراق

محمد نورالدين

بعد أقلّ من شهرين على بدء مرحلة جديدة من «المرونة»، تمهيداً للمصالحة الشاملة بين تركيا وسوريا، انقلبت الأمور رأساً على عقب، وظهر أن «المياه لا تجري في مجاريها».
في أواخر يونيو/ حزيران الماضي، وبعد زيارة للمبعوث الروسي ألكسندر لافرنتيف، إلى العاصمة الروسية دمشق، أبدى الرئيس بشار الأسد انفتاحاً على كل مبادرة «بنّاءة وإيجابية» تهدف إلى المصالحة بين تركيا وسوريا.
أعقبت ذلك تصريحات غير مسبوقة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بأن لا شيء يمنع من لقاء، وعلى صعيد عائلي حتى، بينه وبين الأسد، كما لا شيء يحول دون عودة العلاقات الدبلوماسية كما كانت، بل أضفى أردوغان لاحقاً أجواء أكثر إيجابية، بالقول إنه قد يدعو الأسد، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لزيارة تركيا.
كان معروفاً منذ أكثر من سنة أن جهود المصالحة السابقة التي انتهت إلى الفشل في مايو/ أيار 2023 قد توقفت عند الشرط السوري بأن تتعهد تركيا خطّياً، بانسحاب جيشها من سوريا، ليمكن البدء بترتيبات المصالحة، وانعقدت لقاءات على مستوى وزيري الدفاع والخارجية، غير أن تركيا لم تتعهد بذلك.
الآن، قيل إن سوريا، وبناء على طلب من روسيا، قدمت «تنازلاً» بأن تقبل تعهداً تركياً شفهياً بانسحاب جيشها من سوريا، على أن تكون روسيا هي الضامن لهذا التعهد، وإذ أمل الجميع خيراً، تبين أن أنقرة لا تريد التقدم بمثل هذا التعهد رغم الضغوط الروسية.
وسرعان ما خرج الرئيس الأسد بتصريح في يوم الانتخابات التشريعية السورية (15 يوليو/ تموز الماضي) بأن اللقاء مع أردوغان لا ضرورة له إذا كان من أجل «تبويس اللحى»، متهماً أردوغان بالقيام ببهلوانيات لا تنطلي على أحد.
لم تكن مساعي المصالحة الجديدة التي قام بها الروس، والعراقيون، بحاجة إلى المزيد من التصريحات لكي يثبت فشلها، فبعد تصريح الأسد الأخير، ساد الصمت الجانب التركي، غير أن وزير الدفاع التركي، ياشار غولر، أبى إلا أن يضع النقاط على الحروف، ويعلن في 12 أغسطس/ آب الجاري، أن تركيا لن تنسحب من سوريا ما لم تتحقق ثلاثة أمور: إقرار دستور جديد لسوريا، وإجراء انتخابات تشريعية حرة، وترتيبات أمنية على الحدود التركية السورية.
تعكس هذه الشروط تصلباً تركياً، فالشرطان الأولان هما تدخل تركي صارخ في الشؤون الداخلية السورية، أما الشرط الثالث فسوريا تريده قبل تركيا، و«اتفاق أضنة»، الذي رعى الأمن على الحدود بين البلدين منذ عام 1998 وحتى عام 2011، لم يطبّق إلا بعد أن خرقته تركيا بالانحياز إلى طرف المعارضة السورية، وتسليحها، ومن ثم دخول الجيش التركي إلى سوريا عام 2016 واحتلال أقسام من الأراضي السورية.
ويتساءل الكثير عن السبب الذي يحول دون أن تتعهد تركيا بالانسحاب من سوريا، ولو شفهياً، وعلى مراحل؟
ربما نجمل الأسباب في التالي:
* أولاً، أن استمرار تركيا في احتلال أقسام من سوريا ودعم المعارضة المسلحة، يأتيان ضمن الضغوط المستمرة لأنقرة على دمشق في أكثر من قضية.
* ثانياً، أن تركيا لا تواجه ضغوطاً من روسيا وإيران، لتنسحب وتحقق المصالحة مع سوريا، روسيا منشغلة بأوكرانيا، وإيران منشغلة بالوضع في الشرق الأوسط، بعد حرب غزة.
* ثالثاً، أن تركيا لا تستطيع أن تتحدى الولايات المتحدة بعدما أعلنت واشنطن، على لسان سفيرها في تركيا جاك فليك، أنها تعارض المصالحة بين تركيا وسوريا. والمعارضة الأمريكية أهدافها واضحة، وهي إبقاء الضغوط على الأسد، وعلى العقوبات على الشعب السوري، ومنع تهديد الكيان الكردي في شرق الفرات الذي تدعمه أمريكا، ليس حباً بالأكراد، بل لأن مصالح أمريكا تقتضي ذلك.
* رابعاً، كل ذلك في وقت تسابق فيه تركيا كل الظروف المعاكسة لكي تثبت أنها تريد الحفاظ على علاقات جيدة مع أمريكا، ومع إسرائيل، رغم كل ما قد يظهر، خصوصاً تجاه إسرائيل، خلاف ذلك.
ما هو لافت أن رئيس وزراء العراق، محمد شياع السوداني، كان في نهاية مايو/ أيار الماضي، أول من أشار إلى بدء جهود جديدة للمصالحة بين تركيا وسوريا.
لكن على ما يبدو، فإن العراق يتبع مساراً مختلفاً، هو يمضي إلى تحسين العلاقات مع تركيا، لا سيما بعد زيارة أردوغان إلى بغداد في 22 إبريل/ نيسان الماضي، وفي واحدة من أكثر القضايا التي تريدها تركيا، وهي شرعنة الوجود العسكري التركي في شمال العراق، لمواصلة محاربة حزب العمال الكردستاني.
في 15 أغسطس/ آب الجاري، زار أنقرة وزيرا دفاع وخارجية العراق، ووقّعا مع نظيريهما التركيين، اتفاقية تحوّل قاعدة بعشيقة التركية العسكرية في نينوى إلى «مركز تدريب مشترك» للقوات العراقية والتركية، وهذا يعني أن الأتراك هم من سيدربون العراقيين لا العكس، ويكون بالتالي للقاعدة وضع قانوني للمرة الأولى في تاريخ التواجد العسكري التركي في العراق.
وهذا يفسر لنا سبب الإصرار التركي في السنوات السابقة على عدم الانسحاب من بعشيقة، ومن كل الشمال العراقي، ولا يستبعد هنا أن تضفي بغداد لاحقاً الشرعية على العديد من القواعد التركية الأخرى.
كل ذلك، في الظاهر على الأقل، مقابل إعفاء العراقيين تحت سن ال15 وفوق سن الخمسين من الحصول على تأشيرة دخول إلى تركيا.
وما بين انسداد جهود المصالحة بين تركيا وسوريا، وتعزيز التعاون العسكري التركي مع العراق أكثر من علامة استفهام.

3 أغسطس 2024
تركيا.. بين ترامب وهاريس

محمد نورالدين

ليس من السهولة أن تجد تركيا مكاناً لها في التحالفات العالمية يلبّي كل ما تتطلع إليه. فهي في المنطلق الأساس عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952. وقد بذلت دماً في الحرب الكورية من أجل أن تقدّم بطاقة اعتماد لدخول الحلف.

هذا كان مؤشراً على أن «الأخطار» المحدقة بتركيا ينظر إليها المسؤولون الأتراك على أنها جدّية للغاية. وهذه الأخطار نابعة من المطالب السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية، بالمشاركة في إدارة المضائق، واستعادة بعض الأراضي في الشرق التركي. فكان الاستنجاد بالغرب، وحلف شمال الأطلسي، لمواجهة من تصنفهم تركيا أعداء.

وغالباً ما كانت تركيا تدخل في خلافات، وأحياناً صدامات مع حلفائها من أجل قضايا «قومية»، مثل قبرص، أو أذربيجان. ومع ما سمّي ب«الربيع العربي» ظهرت في شمال سوريا مسألة المجموعات المسلحة التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والتي أصبحت لاحقاً «قوات سوريا الديمقراطية – قسد». وقد دخلت تركيا في خلاف جدّي مع الولايات المتحدة بسبب دعم الأخيرة لقوات «قسد»، واتهام تركيا لواشنطن بأنها تستخدم الأكراد المؤيدين لحزب العمال الكردستاني من أجل تفتيت سوريا، والمنطقة، وتهديد الأمن القومي التركي. ومن ثم عملت واشنطن على إسقاط الرئيس التركي بمحاولة انقلاب عسكرية عام 2016 كان نصيبها الفشل. لكن تركيا لجأت إلى اللعبة نفسها، وهي الاستنجاد بخصوم الولايات المتحدة للتصدّي للخطة الأمريكية.

فكان التحول في نسج تركيا علاقات وثيقة مع روسيا منذ عام 2016 وإدخال روسيا في استثمارات كبيرة في تركيا من صفقة «إس 400»، إلى المفاعل النووي، وخط النفط والغاز عبر إسطنبول. الأمر الذي أغضب الولايات المتحدة وجعلها تفرض على تركيا عقوبات، اقتصادية ومالية، وتهدّد تركيا بألا تفعّل نظام صواريخ «إس 400»، وكل ذلك حصل مع عهد الرئيس الجديد، دونالد ترامب، الذي كان فاز للتو في انتخابات عام 2016 بعد المحاولة الانقلابية في تركيا.

ومع ذلك، كانت تركيا ترى في ترامب، رغم كل عدم اتزانه، أفضل من الرئيس باراك أوباما، والحزب الديمقراطي. بل إنه في عهد ترامب وافقت واشنطن على السماح لتركيا بالقيام بعملية «نبع السلام» العسكرية المهمة التي جعلتها تحتل المنطقة الواقعة بين تل أبيض ورأس العين، وبعمق يصل أحياناً إلى 30 كيلومتراً. وهذا إنجاز لتركيا التي تريد أن «تطهّر» كل المنطقة الواقعة شرق الفرات، وغربها، من المسلحين الأكراد. بل إن ترامب كان اطلق تصريحاً أثار ارتياح تركيا لكن لوقت قصير فقط، وهو أن الولايات المتحدة قررت الانسحاب من شرق الفرات. ما يصبّ في مصلحة تركيا، وقيامها بعمليات عسكرية ضد الأكراد. لكن ترامب لم يصمد في تنفيذ قراره، إذ قرر التراجع عنه تحت ضغط المؤسسة العسكرية.

وعندما فاز المرشح الديمقراطي جو بايدن، في انتخابات 2020 أسقط بيد أردوغان، باعتبار أن الرئيس الأمريكي الجديد كان نائباً للرئيس خلال المحاولة الانقلابية ضد أردوغان في عام 2016. بل إن بايدن توعد أردوغان خلال الحملة الانتخابية الرئاسية عام 2020 ب«خلعه بصورة.. ديمقراطية».

وفي السنة الأولى من عهده أغضب بايدن الأتراك باعترافه بأن أحداث 1915 كانت إبادة ضد الأرمن، وكرر ذلك في السنوات التي تلت. كذلك لم يقم بايدن، ولا أردوغان، بأي زيارة رسمية لبلد الآخر، ولم يلتقيا إلا على هامش مناسبات واجتماعات قمة لدول حلف شمال الأطلسي، أو غير ذلك. والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة في عهد بايدن عززت دعمها لقوات «قسد».

وفي سياق امتلاك أوراق قوة للضغط على واشنطن، استجاب أردوغان لدعوات روسيا، وأطلق سلسلة نداءات للاجتماع بالرئيس السوري بشار الأسد، والتقارب مع دمشق. وهذا لا شك يغيظ الولايات المتحدة التي ردت على تقارب أردوغان، النظري حتى الآن، مع دمشق ب«إنعاش» تنظيم «داعش» الإرهابي، وإصدار بيان قبل أيام من قيادة الجيش الأمريكي بقيام الجنود الأمريكيين، وقوات «قسد»، بعمليات مشتركة ضد عناصر «داعش»، في رسالة أمريكية بأن واشنطن لا تزال تعتبر القوات الكردية ضرورة لمحاربة «داعش»، وبالتالي الاستمرار في دعمها.

الآن تواصل تركيا اللعبة نفسها في تفضيل فوز دونالد ترامب، على المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، التي تعتبرها تركيا استمراراً لخط بايدن، وترجيح أن تواصل في حال فوزها دعمها المطلق للقوات الكردية.

رهان تركيا على ترامب يأتي، كما ذكرنا، من أن له سوابق في التعاون مع تركيا، وفي وجود «فكرة» الانسحاب من سوريا في رأسه. لكن ذلك لا يعني أن مجيء ترامب سيكون مَنّاً وعسلاً لتركيا، وأن مجيء هاريس سيكون الزقوم لها.

فتركيا التي تقع في محيط إقليمي متناقض ومملوء بالمشكلات المتفجرة، تنعكس عليها تداعيات التوترات، الإقليمية والدولية، طالما هي أيضاً تأخذ مواقف مختلفة، وتتبع طموحاتها الخارجية من ليبيا، والقوقاز، والخليج، وسوريا، والعراق، وشرق المتوسط. وهذا يجعل من الطبيعي أن تكون تركيا عرضة للتداعيات المختلفة، ويجعل علاقاتها مع معظم جيرانها، ودول المنطقة، متذبذبة، ليس آخرها الكباش الكلامي مع إسرائيل، وتهديد أردوغان باجتياح إسرائيل، كما اجتاح قبلاً القوقاز، وليبيا، وبالطبع سوريا والعراق.

وعلى هذا، لا يمكن الجزم بأن ترامب سيكون فعلاً برداً وسلاماً، ولو نسبياً على تركيا، وبأن هاريس ستكون خلاف ذلك. وما على تركيا سوى الانتظار.

20 يوليو 2024
المصالحة الضرورية.. المؤجلة

محمد نورالدين

تسارعت في الفترة الأخيرة، مواقف مختلف الأطراف حول احتمال المصالحة بين تركيا وبين سوريا بطريقة أوحت أن فرصها قد تكون هذه المرة أكبر من سابقاتها قبل أكثر من عام.

ومنطلق الاحتمالات القوية كانت في زيارة ألكسندر لافرنتييف مندوب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دمشق في أواخر حزيران/يونيو الماضي، ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد. وأهمية الزيارة ناتجة عن ثلاثة إشارات: أنها جاءت مباشرة بعد لقاء بوتين مع وزير الخارجية التركي حاقان فيدان في موسكو. وجاءت بعد تصريح لافرنتييف أن الظروف الحالية هي الأنسب لتحقيق المصالحة. والثالثة والأهم أن الأسد قد أطلق بعد اللقاء مواقف اعتبرها البعض إيجابية وهي أن سوريا منفتحة على أية مبادرات «إيجابية وبناءة» في إطار احترام السيادة السورية ووحدة أراضيها ومحاربة التنظيمات الإرهابية كافة.

ولم تمض أربع وعشرون ساعة حتى كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يطلق موقفاً مثيراً وهو استعداده للقاء الأسد وبصورة عائلية أيضاً كما كان يحدث في الماضي، وأنه ليس من سبب يدعو إلى عدم عودة العلاقات الدبلوماسية.

وتكررت الإشارات التركية من جانب أردوغان شخصياً ومنها أنه قد يوجه دعوة إلى بوتين والأسد لزيارة تركيا، ومن ثم أعلن أن المكان ليس مهماً؛ إذ يمكن أن يلتقي بالأسد في تركيا أو موسكو أو أي مكان آخر. وهنا تقفز إلى البال بغداد نظراً لأن رئيس الوزراء العراقي كان أول من تحدث عن مبادرة مصالحة.

تكاثرت الأسئلة عمّا استجد من تطورات تضغط على الأطراف المعنية لكي تتحرك فجأة مثل هذه المبادرات وتتوالى هذه المواقف.

البعض كان يقول إن روسيا هي المحركة والتي تقف وراء كل هذا الزخم؛ إذ إنها تخشى من انفجار حرب انطلاقاً من لبنان وتصل إلى سوريا لتتحول إلى شرارة حرب عالمية. وأن روسيا تريد استباق أي حرب في المنطقة لا تكون هي مستعدة لها وأنها تريد بالتالي ترتيب أوضاع حلفائها بما يطوق مسبقاً أي تداعيات سلبية، لمثل هذه الحرب، على روسيا. ومن هذه الخطوات إجراء مصالحة بين تركيا وسوريا. وهو الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى إحراج الولايات المتحدة ودفعها إلى إخراج قواتها من سوريا فتربح روسيا وتركيا وسوريا ومعهم إيران.

لكن السؤال، هل هناك فعلاً نذر حرب عالمية جدية انطلاقاً من الشرق الأوسط، خصوصاً أن إسرائيل والولايات المتحدة يسرحان ويمرحان في غزة منذ تسعة أشهر من دون أن تتجرأ موسكو أو بكين الدولتان المفترض أن تكونا بمواجهة الولايات المتحدة على فعل أي شيء؟ وهل المصلحة الروسية الخاصة في المصالحة بين تركيا وسوريا تلبي في الوقت نفسه مصالح الأخيرتين؟

المعروف أن جهوداً روسية وإيرانية كبيرة جداً بذلت للمصالحة بين تركيا وسوريا بين أول آب/أغسطس 2022 ومنتصف أيار/مايو 2023. وانعقدت حتى اجتماعات متكررة على مستوى وزراء دفاع هذه الدول ومن ثم اجتماع وزراء الخارجية في العاشر من أيار/مايو 2023 قبل أربعة أيام فقط من انتخابات الرئاسة التركية التي فاز بها أردوغان.

فشلت جهود التطبيع بين البلدين لسببين. الأول أن سوريا كانت طلبت من تركيا تعهداً رسمياً وربما مكتوباً أن تُظهر تركيا استعداداً للانسحاب من سوريا ولو على مراحل قبل أي لقاء على مستوى الرئيسين أردوغان، والأسد، لأنه من غير الطبيعي أن يجتمع الأسد مع رئيس دولة يحتل جيشها أجزاء من أرضه.

والسبب الثاني، أن الرئيس التركي لم يتجاوب مع الطلب السوري لسببين. أنه كان يريد من اللقاء مع الأسد مجرد «صورة» يوظفها في الانتخابات الرئاسية التركية، والثاني أنه لا يريد الانسحاب من سوريا لأهداف مختلفة. ولذا فشلت المحاولة. وعندما فاز أردوغان بالرئاسة دخلت جهود المصالحة «كهف» النسيان وغابت إلى أن خرجت تحركات جديدة كما اسلفنا خلال حزيران/يونيو الماضي.

تكررت دعوات أردوغان للقاء الأسد، لكن سوريا بعد موقف الأسد إثر لقائه لافرنتييف، التزمت الصمت أكثر من أسبوعين قبل أن تُصدر وزارة الخارجية السورية بياناً وضع، بتقديرنا، النقاط على حروف العلاقة بين تركيا وسوريا. وهو أن هناك جيش احتلال تركي يتوجب أن ينسحب أو يبدي استعداداً للانسحاب وفق جدول زمني قبل أي لقاء بين الأسد وأردوغان، وأن الوضع يجب أن يعود إلى ما قبل عام 2011 تاريخ بداية الأحداث في سوريا وتدخل تركيا فيها.

كان واضحاً من البيان السوري أن جهود المصالحة لم تبدأ بصورة صحيحة من الأساس. وأن تركيا لم تتعهد بأي شيء مسبق. لماذا؟ برأينا أنه بخلاف ما يشاع، فإن تركيا تريد من أي مصالحة مع سوريا فقط تصفية القوات الكردية في شرق الفرات وهي تعرف أن هذا غير ممكن في ظل وجود الولايات المتحدة. وبالتالي ليس من سبب يضغط على تركيا للانسحاب. فروسيا منشغلة بأوكرانيا وإيران بالوضع في فلسطين والمنطقة.

وقد استكمل الرئيس السوري المواقف الفعلية بالقول يوم الاثنين الماضي، «إن على أردوغان أن يقدم ضمناً تعهدات علنية بالانسحاب من سوريا».. وهو الأمر الذي لا يتوقع أن يقدم عليه أردوغان، ويدفع المراقب للقول إن جهود المصالحة أصيبت، مرة أخرى، بالسكتة الدماغية وتحتاج إلى تطورات كبيرة وخطِرة تعدل من موازين القوى الحالية التي تصب في مصلحة تركيا والولايات المتحدة.

6 يوليو 2024
الدولة والدين في تركيا

محمد نورالدين

في الخامس والسادس عشر من حزيران/ يونيو الفائت انعقد في مقاطعة نيدوالدن في سويسرا مؤتمر شاركت فيه شخصيات عالمية مختلفة تحت عنوان «قمة من أجل السلام في أوكرانيا». ولم تشارك الصين في المؤتمر احتجاجاً على عدم دعوة روسيا أصلاً.

شاركت تركيا بوفد ترأّسه وزير الخارجية حاقان فيدان الذي ألقى كلمة، والتقى العديد من الزعماء والمسؤولين المشاركين. لكن ما لفت الانتباه في الوقت نفسه مشاركة بطريرك تركيا للروم الأورثوذكس ديميتري بارتولوميوس تحت صفة «بطريرك قنسطنطينوبوليس المسكوني» أي «بطريرك القسطنطينية ذو السيادة العالمية». وهذا ما أثار نقاشات في الداخل التركي باعتبار أن الاسم الرسمي لموقع البطريرك هو «بطريرك كنيسة فنار للروم». وهذا يفيد بأن بارتولوميوس هو بطريرك لكنيسة الروم الواقعة في حي فنار باسطنبول. وهذا يعني أنه بطريرك للكنيسة الواقعة في نطاق قائمقامية «فاتح» ويخضع لها وليس بطريركاً للقسطنطينية التي أصبح اسمها اسطنبول. كما إنه لا يتمتع، وفقاً للقانون التركي، بصفة مسكونية أي عالمية، على غرار الفاتيكان مثلاً. لكن البارز هذه المرة أن الجانب التركي الرسمي المشارك في المؤتمر لم يبد في سابقة، أي ردة فعل رافضة لمشاركة البطريرك بهذه الصفة.

ليست المرة الأولى التي تثار فيها هذه المسألة في تركيا، بل هو تاريخ مزمن من العلاقة بين السلطة في تركيا والبطريركية الأرثوذكسية. فاعتماد العلمنة وفصل الدين عن الدولة، أخضع البطريركية في اسطنبول لأحكام القانون الداخلي ونزع عنها صفة العالمية، وأخضعها لقانون البلديات المحلي بعدما كانت البطريركية هناك مرجع الأرثوذكسية في الدولة البيزنطية. هذا فتح مشكلة بين الدولة والكنيسة لم تجد حلاً لها بعد. فالبطريركية تتهم السلطة بأنها تريد تقزيم المرجعية الأورثوذكسية فيما ترفض أنقرة أن تكون أي مؤسسة تركية لها سلطات تتجاوز حدود تركيا أو لها علاقات مستقلة مع أي مؤسسة خارج تركيا.

لكن التوقيع على البيان الختامي شهد مفارقة مثيرة. وهو أنه في حين امتنعت السعودية والإمارات وليبيا والهند وجنوب إفريقيا وتايلاند وإندونيسيا والمكسيك والبرازيل عن التوقيع على البيان، كانت تركيا توقع، كدولة، باسم وزير خارجيتها، وفي الوقت نفسه كان بارتولوميوس يوقّع عليه بصفة «مراقب». ووصفت صحيفة «يني تشاغ» القومية التركية إن ما جرى فضيحة غير مسبوقة.

يقول السفير المتقاعد طوغاي اولوتشيفيك إن مشاركة بارتولوميوس بالمؤتمر بصفة مستقلة عن تركيا وضع لا يمكن القبول به. ويقول إن بطريركية فنار مؤسسة دينية تركية والبطريرك هو مواطن تركي، ويتبع القانون التركي ولا يمكن له المشاركة من دون أخذ إذن من وزارة الخارجية حتى لو كان مؤتمراً دينياً فكيف بأنه مؤتمر سياسي حول أوكرانيا؟ فضلاً عن أن البطريرك التقى على هامش المؤتمر برئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس.

وقال أولوتشيفيك إن اتفاقية لوزان جعلت من البطريركية مؤسسة دينية لا تتعاطى بالسياسة وتهتم بأمور السكان الروم في اسطنبول وجزيرتي بوزجا أضه وغوكتشيه أضه. وقال اولوتشيفيك إن مشاركة البطريرك بصفة مستقلة هو فخ ينصب لتركيا على الصعيد الخارجي، وكان على تركيا اتخاذ خطوة تناسب حجم القضية وهو الانسحاب من المؤتمر. وقال إن هذا مقلق لتركيا خصوصاً أن البطريركية تذكر في المؤتمر بالعبارات نفسها المستخدمة بالنسبة إلى الفاتيكان ذات الصفة العالمية والمستقلة. وكان على البطريرك أن يشارك في المؤتمر بصفته مجرد عضو في الوفد التركي برئاسة ديبلوماسي.

ويكتب محمد علي غولر في صحيفة «جمهوريات» إن مسألة البطريركية لم تكن يوماً دينية بل سياسية. وقال إنه منذ القرن التاسع عشر وانجلترا وفرنسا وروسيا تستخدم البطريركية أداة في سياساتها الإمبريالية. وقال إن البطريركية قامت بدور مهم خلال حرب التحرير الوطنية بين 1919-1922 بتسليح المجموعات اليونانية ضد أتاتورك. لكن أتاتورك بعد اعتماد العلمنة أخرج البطريركية من صفتها ودورها وأنزلها لمرتبة المؤسسة الدينية التابعة لقائمقامية الفاتح.

وقال غولر إن الأزمة في أوكرانيا كانت بداية لمرحلة جديدة من العلاقة بين أمريكا وبطريركية إسطنبول، إذ انفصلت الكنيسة الأوكرانية عن الكنيسة الروسية وأعلنت استقلالها في العام 2018. والأهم أن كنيسة إسطنبول قد دعمت هذه الاستقلالية. وقال إن توقيع البطريرك بارتولوميوس على إعلان مؤتمر السلام في سويسرا هو محطة أخرى من استخدام واشنطن للكنيسة التركية ضد روسيا.

ويرى الجنرال المتقاعد نعيم بابور أوغلو أن ما حدث في المؤتمر هو انتصار لليونان لكن عدم اعتراض تركيا على ذلك يعتبر تراجعاً استراتيجياً تركيّاً. وتساءل أوغلو:«كيف يمكن لتركيا أن ترتكب هذا الخطأ؟». وأضاف إن البطريرك بارتولوميوس كان مدعواً بصفة «مسكونية» وألقى خطاباً ووقّع على البيان الختامي كما لو أنه رئيس دولة. وهذا انتصار لليونان. وقال إن البطريرك لا يمكن أن يستخدم صفة ليست له وغير معترف بها. السيادة وفق القوانين التركية ومعاهدة لوزان هي للجمهورية التركية. وقال «إن توقيع فيدان على البيان نفسه الذي وقّع عليه بارتولوميوس مخالف للقوانين التركية.

فهل«حادثة» سويسرا مؤشر على أن هناك مرحلة جديدة من«انفتاح» تركي على البطريركية والمسيحيين في أكثر من مجال، أم أنها مجرد خطوة تكتيكية ليس لها ما بعدها وأكبر من أن تهضمها «الدولة العميقة»؟.