ذوالفقار قبيسي*
في غمرة الجائحة الوبائية والأزمات الاقتصادية في العديد من البلدان العربية وبلدان الأسواق الناشئة، تتراجع واردات القطاع العام وتتقلص قدرة القطاع الخاص عن دفع الضرائب، مقابل ازدياد الحاجة إلى تلبية تصاعد النفقات ولا سيما نفقات شبكة الحماية الاجتماعية ودعم السلع المعيشية.
وللخروج من هذا الوضع المتعدد الأعراض الجانبية، يلجأ البعض بحثاً عن الحل إلى سيناريوهات غربية جعلها الأديب اللبناني عمر فاخوري عنواناً لكتابه «آراء غربية في مسائل شرقية» تمتد التناقضات فيها من خلال البرامج الانتخابية للأحزاب الغربية، من أقصى اليمين مروراً بالوسط إلى أقصى اليسار، وبرغم كل ما لدى هذه الأحزاب من الخبراء والكوادر العلمية ومن الإحصاءات والمعطيات الموضوعية، فكيف في الكثير من البلدان العربية حيث يغلب الطابع الفردي أو الحزبي أو السياسي على الاقتصادي والعلمي والموضوعي، وفي غياب إحصاءات موثوقة يمكن الاعتماد عليها في بناء قرارات كثيراً ما أخطأت أو قصرت عن محاكاة الواقع في عديد الحالات حتى في الدول المتقدمة.
والقصة الشهيرة عن ونستون تشرشل عندما تولى وزارة المال قبل الحرب العالمية الثانية واتخذ قرارات استناداً إلى احصاءات خاطئة، أساءت إلى الجنيه والميزان التجاري، وقال تشرشل يومها عبارته الشهيرة معلقاً على النتائج: هناك ثلاثة أصناف من الأكاذيب: البيضاء، والسوداء، والإحصاءات! التي -كما قال- هي أسوأها وأكثرها تخريباً وتدميراً للاقتصاد وللدولة والمجتمع.
أو عندما أقال الزعيم السوفييتي فلاديمير لينين رئيس الحزب الشيوعي في دولة أوروبية شرقية بعد أن زوده بإحصاءات خاطئة عن عدد عمال «البروليتاريا» الصناعية في بلده قائلاً له: لو أعلنا الثورة ضد النظام في بلدك اعتماداً على احصاءاتك لفشلت الثورة وانتهى الأمر بالرفاق إلى السجن!
أو عندما قررت اليونان في ظل أزمتها المصرفية المستعصية مقاضاة من أسمتهم «إحصائيون يلوون بالأرقام ذراع الحقيقة» أعلنوا احصاءات خاطئة عن حجم الدين العام اليوناني، وعن نسبة العجز في الموازنة عام 2009 بأنها 15,8% من الناتج المحلي الاجمالي بدلاً من 12% بما عطل إلى حد بعيد برنامج المساعدات الأوروبية لليونان وألحق أضراراً كبرى بالاقتصاد، طلب المدعي العام عقوبة السجن لمسؤولين متهمين في مؤسسات إحصائية يونانية تراوحت بين 5 إلى 10 سنوات!
والمشكلة لا تقتصر أحياناً على الاحصاءات التي ولو صحت، فإن البرامج الاقتصادية التي يطرحها المرشحون للانتخابات الأوروبية أو الأمريكية، تكشف عن فروقات هائلة في السيناريوهات ممن يدعون إلى رفع الحد الأدنى للأجور وتقوية شبكة الحماية الاجتماعية عبر تحميل أثقالها للشركات الكبرى أو للثروات الضخمة، كما حدث أخيراً في خطة الرئيس الأمريكي جو بايدن، أو في برامج المرشحين اليساريين في فرنسا الذين كان من بينهم قبل حوالي 10 سنوات المرشح الاشتراكي (رئيس الوزراء فيما بعد) فرنسوا هولاند الذي دعا خلال حملته الانتخابية إلى فرض ضريبة 75% على أي مداخيل تفوق المليون يورو، وذهب مقابله المرشح Luc Melenchon المدعوم من الشيوعيين إلى الحد الأقصى بفرض ضريبة 100% على أي مداخيل تفوق ال360 ألف يورو!!! وفي وقت كان المرشحون اليمينيون في أوروبا عموماً يدعون إلى «عدم ذبح» ما يسمونه «الوزة الذهبية» The Golden Goose التي تنتج البيض، أو مؤسسات القطاع الخاص بالمزيد من الضرائب ولو على حساب بعض المكتسبات العمالية، وهي السياسة الاقتصادية التي اعتمدتها بريطانيا في حينه بخفض الضرائب على المداخيل الى ما بين 50 و40% بسبب أن بريطانيا أكثر قدرة من فرنسا والعديد من الدول الأوروبية على التحقق من الضرائب على مختلف القطاعات.
كما هي السياسة نفسها التي اعتمدتها حكومة التكنوقراط في إيطاليا بغرض زيادة قدرة الصناعات الإيطالية على منافسة باقي الصناعات الأوروبية، أو عندما فعلت فرنسا العكس برفع أجرة العامل ب10% أعلى من أجرة العامل الألماني، رغم تراجع الصادرات الفرنسية مقابل تقدم الصادرات الألمانية، ما أدى إلى مخاطبة رئيس الوزراء الفرنسي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل «إن إلمانيا ليست أوروبا، وأوروبا ليست ألمانيا».
* كاتب لبناني
وصفات غربية «ديليفري» لاقتصادات عربية
26 مايو 2021 21:09 مساء
|
آخر تحديث:
26 مايو 23:23 2021
شارك