ماذا يعني أن تمكث نصف سنة بلا شعر؟ بلا قصيدة واحدة تفرد شعرها الكستنائي على جسدك المعرّض للقلق والكآبة؟ ماذا يعني أن يخونك الشعر؟- خندقك الأخير- فلا ينبت مثل النعناع تحت وسادتك.. ولا يأتي في الليل مثل صديق قديم فيعيدك إلى العافية الأولى، والتوهّج الأول.
دائماً لنا ولع بأوّل الأشياء.
فلا امرأة أجمل من المرأة الأولى، ولا بحر أجمل من البحر الأول، ولا أرض أجمل من الأرض الأولى، حيث مسقط الرأس، ومسقط الدم، ومسقط الكلام، ونحن الشعراء ننتمي بوحشية إلى أرض أولى أيضاً.. أقصد الشعر، وعندما تنسحب القصيدة مثل رمل ناعم من تحت أقدامك، وتتركك في الهاوية، عند ذلك، ماذا تفعل؟ ماذا تقول؟ وأية قوة ممكنة تستطيع بها أن تواجه العالم، بما فيه من غابات، وبحار، وصحراء، وبشر؟ لا شك أنه مأزق الشاعر، والشرك المنصوب له في الظلام، ولكن على الشاعر أن يخرج دائماً من تجاربه بمعرفة عميقة وجديدة، واكتشاف آخر يضاف إلى رؤيته وحلمه. عليه أن يتعلم شيئاً من فراق الشعر، وخيانته.
نصف سنة بلا قصيدة، وبلا روح قابلة للتحليق والاشتعال- وكم من الهزائم والخسارات قد لحق بي وكم من الأيام بعثرتها في غرفة أسمنتية كأنها نهاية العالم. ويجيء الجواب واحداً وحاداً على قطعان الأسئلة الهائجة تلك:
إن الانتماء للشعر يتضاعف حتى في غياب الشعر. يصبح الحنين له نوعاً من التمسك به، والتشبث بحباله، وأعمدته.
يختفي الشعر شهراً/ شهرين، يختفي سنة/ سنتين، جيلاً/ جيلين، ولكنه، في اختفائه هذا يمد حباله السرية إلى أولاده الشعراء،وتلك الصلة بين الشعر وأولاده، هي ذلك الحنين الدائم للكتابة وذلك الركام من الهواجس التي تنام في قلوب الشعراء، وفجأة، مثل طائر العنقاء، يأتي الشعر بكل هذا الجلال والملكوت ليشد الشعراء من ياقاتهم وينزع عنهم الغبار والصدأ.
غياب الشعر هو دخولٌ فيه. تجدّدٌ تمنحه لنا الحياة، أو، لنقل فترة استراحة يستعيد فيها الشاعر أنفاسه، يتلفت خلفه، وأمامه، وعلى جانبيه، ليرى على أي الجهات يميل فيما بعد.
ذلك هو الدرس الذي ينبغي على الشاعر أن يتعلمه من فراق الشعر أو غيابه. ومن تفوتهم هذه المعرفة فيعلنون الحداد في فترة الانقطاع هذه فلا بد أنهم لم يدركوا بعد وعي العملية الإبداعية وضروراتها.. وبعد ذلك كم من الشعراء يلزمهم هذا الفراق، وهذه الخيانة.
كثيرون يمسكون القصيدة من قرنيها (والقصيدة ليست ثوراً) يدخلونها عنوة إلى حظيرة الكلام، ليتحول الشعر إلى علف.
أيها الشعراء.
لا تحولوا اللغة علفاً.
لا تدجنوا القصيدة، ففي هذه المرحلة، كل شيء يقف، وتكفّ الأرض عن الدوران، والأشجار تبيع أغصانها لتجار الفحم، والبحار تندس في برانس سوداء كالحة لتنام، أما الشعر فإنه لم يذهب بعيداً في هذه الكوميديا، إنه يتجول مثل غجري، بأسماله، وطبوله، وأفراسه، وله الحق في هذا التجوال.
[email protected]
خيانة الشعر
5 يونيو 2021 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 يونيو 00:08 2021
شارك