تبدو بعض المصطلحات والمفاهيم والأفكار في الأدبيات السياسية مثل الخلايا النائمة، ثم، يأتي زعيم سياسي أو مفكّر، فيوقظ ذلك المصطلح النائم، ويطلقه في العالم مثل شرارة فكرية، سرعان ما يجري تداولها على كل قلم، وكل لسان.
أمس الأول، أيقظ الرئيس الصيني شي جين بينغ مصطلح «فخ ثوسيديدس» من نومه، والمصطلح يعود إلى المؤرّخ والجنرال العسكري ثوسيديدس 460-395 قبل الميلاد، وفحواه أن الدول الصّاعدة تتخوّف عادة من توسع نفوذ الدول المهيمنة والمسيطرة على العالم، وجرّاء هذه المخاوف المتصاعدة دائماً قد تنشب صراعات ومواجهات عسكرية بين الجانبين، ويعود هذا الفكر الذي توصل إليه ثوسيديدس إلى ملاحظته مخاوف أسبرطة من هيمنة أثينا وتوسع نفوذها في الفترة من 431 والى 404 قبل الميلاد، وهي الفترة التي شهدت حرباً بين المدينتين استمرّت نحو 25 عاماً، انتهت بانتصار أسبرطة ودمار أثينا.
لكن حسابات المصالح والتوازنات الدولية لها معايير مختلفة تماماً عن أي حسابات أخرى، فقد تحالفت أسبرطة وأثينا معاً واتحدتا لمواجهة الجيش الفارسي الذي غزا أثينا في الحروب التي يطلق عليها (الحروب الميدينية) من 499 إلى 449 قبل الميلاد (المصدر: الموسوعة الحرّة).
بالطبع، (فخ ثوسيديدس) المصطلح الذي استخدمه الرئيس الصيني على مائدة عشاء الرئيس الأمريكي ليس خلية نائمة بالمعنى الكارثي السائد اليوم في الأدبيات السياسية المعاصرة، بل هو خلاصة فكر يوناني قديم بدا أنه يصلح اليوم لإسقاطه على الصراعات الراهنة في العالم كلّه، ومرة ثانية، أنه الخوف القائم بالطبع على عدم الثقة. خوف دولة من دولة. خوف أيديولوجية من أيديولوجية، ثم تالياً، خوف ثقافة من ثقافة، وبناء على حزمة هذه المخاوف يظل العالم في كل مكان وزمان كمن يجلس بالقرب من بركان.
الأخلاقيات الإنسانية العميقة، والثقة، والثقافة المدنية الحضارية هي وحدها ضمانات السلم والسلام في العالم، وإلّا، فإن المصطلحات الخطرة أو المقلقة سوف تستيقظ مهما طال أمد نومها في الذاكرة وفي التاريخ.
تلك نقطة، والنقطة الثانية، هي ملاحظة بسيطة، ولكن لها دلالة.. ذلك أن الرئيس الصيني لم يستحضر فكر كونفوشيوس ابن بلده، الفيلسوف الأخلاقي الكبير، بل، ذهب إلى التراث الفكري اليوناني، مع أن الحكمة كلها في الصين، وليست في أثينا أو في أسبرطة الدولة التي كانت عسكرية حتى أسنانها.
على نحو ما، كان كونفوشيوس هو الفخ، وهو العقل والحكمة وليس ثوسيديدس الجنرال العسكري.
