الذهاب إلى مكتبة قديمة يشبه زيارة شخص من أهلك أو من أجدادك حيث العاطفة حارة والحنين يغسل الرّوح، وقد عرفت مثل هذه المشاعر النقية في زيارات عدة إلى مكتبات «مكتهلة» في بغداد، وعمّان، والقاهرة، ودمشق، وتونس، وباكو، والغريب، أو إن ما يخيل إليّ الآن، أن المرء لن يجد مكتبات من هذا النوع العتيق في نيويورك مثلاً، كنموذج على المدن الكبرى وعلاقتها بالكتب والمكتبات، لكنني عرفت مكتبات متقدمة في العمر في باريس عاصمة الثقافة الأوروبية بلا منازع.
تأخذك مثل هذه الزيارات إلى تأمل أرفف الكتب، والغبار، وتلك الرائحة المعتقة للورق، لكن أكثر ما يقترب من قلبك هو أغلفة الكتب، وأحسب أن الغلاف فن وصناعته تتطلب خبرة جمالية تشبه خبرة الخياط، أو المعماري، وكلاهما ينتميان إلى عائلة الفن، لكن، هل خطر ببالك أن الكتب ذات الأغلفة المصنوعة من جلود الحيوانات تتكيف مع الزمن لتعود هذه الجلود إلى الشكل الذي كانت عليه وهي حيوانات حية.
هذا ما تخبرنا به الروائية الاسكتلندية «آلي سميث»، وهي تقول إن غرف الكتب النادرة في المكتبات تحفظ الكتب في درجة حرارة معينة.. «لأن الجلد الذي يغلف الكتب القديمة يحاول على الدوام استعادة الشكل الأصلي للحيوان الذي أخذ منه الجلد لكن تنظيم درجة الحرارة يجعل الجلد ثابتاً على الكتاب، وأن 250 نسخة من الكتاب المقدس مغلفة بجلد عجل تستهلك جلود 250 - عجلاً حقيقياً..». ترجمة: ابتسام بن خضراء.
ذهلت حقاً وأنا أقرأ هذه المعلومة، أي أن غلاف كتاب ما مصنوع من جلد خروف مثلاً، إذا لم يكن محفوظاً في درجة حرارة معينة فإن جلد ذلك الكتاب يستعيد الشكل الأصلي للخروف.
أعرف قبل ذلك أن اللوحات الفنية التاريخية والقديمة في المتاحف العالمية الكبرى تحفظ في بيئة إضاءة معينة، لا بل على زائر المتحف أن يلتزم بالمسافة المحددة بينما هو يقف أمام اللوحة، فالإضاءة، والهواء والتنفس البشري ولمس اللوحة.. كل ذلك يؤثر مع الزمن على الألوان في اللوحة وعلى بقية مكوناتها الفنية.
ذلك ما يؤكد أن غلاف الكتاب هو عمل فني يتطلب الحفاظ عليه كما هو الحال في المحافظة على لوحة فنية عريقة أو نادرة، وأكثر من ذلك يُعتبر التغليف والتجليد (من الجلد) فناً عربياً في الأصل، ولكنه، للأسف، اليوم، فن مهمل ومنسي في الكثير من المكتبات القديمة.
