عادي

روح الحرية ترفرف على الجنوب الأمريكي

23:11 مساء
قراءة دقيقتين
1601

يوضح هذا الكتاب وعنوانه «مذكرات عبد أمريكي» لفريدريك دوجلاس، ترجمة إبراهيم عبدالمجيد، أن مأساة الزنوج وجدت شكلها الأكبر في ولايات الجنوب الأمريكي. وفي كل الولايات تقريباً، شمالاً وجنوباً، كان هناك إحساس بالتميز لدى الرجل الأبيض، لكن في الجنوب كانت المأساة حقيقية وكاملة، حيث تجارة العبيد واستغلالهم في المزارع الواسعة، وكان للحرب الأهلية الأمريكية في ستينات القرن الماضي الدور الحاسم في القضاء رسمياً على تجارة العبيد، وفي تحريرهم.

واختلف موقف المستوطن الأمريكي من الزنوج عنه من الهنود، ففي الوقت الذي أباد فيه بوحشية لا مثيل لها قبائل هندية ذات ثقافات قديمة غنية، فإنه لم يعمل على إبادة الزنوج، بل هو الذي أدخلهم إلى القارة، وكان يعتبرهم جزءاً من قوته ورأسماله، وحتى يتم له ذلك جاهد ببشاعة لمحو ثقافتهم، ومن بين هؤلاء الزنوج حاول الكثيرون الهرب إلى الولايات المتحدة الشمالية، وإلى كندا، ومن بين الذين نجحوا في الهرب، كان «فريدريك دوجلاس» مؤلف هذه المذكرات، كان مختلفاً عن غيره، وكان فهمه للعبودية مبكراً، وهروبه مبكراً أيضاً، لقد انضم إلى الجماعات المناهضة للعبودية في الشمال، وأصبح من أكبر رجالها وخطبائها، وقائداً متحمساً لبني جنسه من الملونين، ثم أصبح وزيراً في الحكومة الاتحادية بعد الحرب.

كتب دوجلاس سيرته لتكون خالية من كل حقد أو مبالغة، لا شيء فيها من نسج الخيال، بل هي بنت الواقع مباشرة، أيّ وضع تعس كان عليه، وأي عقوبات مرعبة جرت عليه، وأي انتهاكات صارمة وقعت على روحه، وهو بكل قواه النبيلة، يقاوم، كيف أجبر على ما هو مرعب، وكيف كان ثقيلاً ليل الحزن الذي أغرق فيه، وكيف كان بؤسه يزداد مع نمو ذكائه وتأملاته، وأيّ أخطار واجهها في هروبه وفي بحثه عن طريق للهروب من المستنقع المرعب.

تحتوي هذه السيرة على كثير من الوقائع المرعبة، وكثير من الصفحات البليغة المؤثرة، وكان الأكثر تحريكاً للمشاعر هو وصف «دوجلاس» لمشاعره وهو يحدث نفسه عن مصيره، وفرصته في أن يكون حراً، يوماً ما، بينما كان يقف على ضفاف خليج تشيزابيك متطلعا إلى السفن الراحلة ذات الأشرعة البيضاء، وتمثله لها كأنما حلت فيها روح الحرية الحية، إنها قصة قديمة مضى عليها أكثر من قرن، لكنها لم تزل حية نابضة، فهي قصة روح معذبة، واضطهاد لا مثيل له، لا يكتبها إلا من عاشها وكابدها، إنها تصور بصدق بالغ التأثير فظاعة الحياة في المزارع الواسعة في الجنوب الأمريكي، تحت مظلة العبودية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"