وبدأنا العد العكسي لإكسبو 2020 دبي

 

بدائل الدعم المعيشي في لبنان

00:24 صباحا
قراءة 3 دقائق

ذوالفقار قبيسي *

التكهنات والتوقعات حول الدعم في لبنان وهل يرفع أو ماذا يبقى منه وهل دفعة واحدة أو على مراحل وأين وكيف ومتى؟... كلها عبارات «ممجوجة» في الاقتصاد لأنها تمنع الناس من التخطيط لأعمالهم واستثماراتهم، وفي حال لم يعد هناك فرص لأعمال واستثمارات، يفتح الباب عندها على مصراعيه للمضاربات وتحكم فئة قليلة بمحركات السوق ومفاصل الاقتصاد، كما هو حاصل اليوم بوجود احتكارات بعد أن تغرس رماحها في جسم الاقتصاد يصعب على الدولة أن تحل مكانها.

والمثال ما حصل في روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عندما طلب الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين من مستشاره الاقتصادي الأمريكي بروفسور جامعة هارفرد «جيوفري ساخس» أن يرفع الدعم تدريجياً وعلى سلع دون أخرى وأن ينقل روسيا من الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى الاقتصاد الليبرالي الحر ولكن على مراحل، وكان جواب «ساخس» أن ترك الأمور للتكهنات والتوقعات يفتح الفرص أمام المضاربين والمغامرين، وبما يؤثر سلباً في قيمة المداخيل ومستوى الأسعار. وعندما كرر يلتسين طلبه أجاب ساخس: أن الأمر سيكون عندها كمن يريد أن يقفز فوق حفرة كبرى على دفعات! أو كمن يعيد تنظيم السير على مراحل بحيث يترك للشاحنات الكبرى أن تسير على اليسار ويسمح للسيارات الصغرى أن تأتي عكس السير على اليمين!

وهذه الحال شبيهة بأوضاع لبنان حيث سعر الصرف الواحد تحول إلى «كوكتيل» أسعار من سعر الصرف الرسمي ١٥٠٧ ليرة إلى سعر البنك ٣٩٠٠ ليرة إلى سعر المنصة ١٢٠٠٠ ليرة وسعر السوق الموازية المسماة خطأ ب«السوداء» ١٥٠٠٠ ليرة، إلى «عنقود» يتدلى في عريشة Kaleidoscope حافل بأسعار صرف مرتبطة بحجم دعم السلعة الذي يتراوح بين ١٥% و٧٥% و١٠٠% وفي وضع مضطرب لم يعرف التاريخ الاقتصادي مثيلاً له في أي بلد في العالم.

ووسط هذه البلبلة النقدية تتركز الأنظار الآن على ما تبقى من احتياطيات ال١٥ أو ال١٤% البالغة ١٤ مليار دولار لدى مصرف لبنان من قيمة الودائع الأجنبية المسجلة دفترياً لدى المصارف، وسط اجتهادات مختلفة بين من يدعو إلى إعادتها إلى المودعين ومن يدعو إلى استخدامها في دعم السلع المعيشية والضرورية منعاً لأي اضطرابات أمنية أو من يدعو إلى استثمارها مع كميات احتياطي الذهب (البالغة 9,2 مليون أونصة بقيمة ١٧ مليار دولار) بما مجموعه نحو ٢٨ مليار دولار وضخها في جسم الاقتصاد لتحقيق النمو وتوفير فرص العمل وبعائدات تعاد منها أموال الودائع للمودعين الذين إذا أعيدت إليهم الآن كما يرى البعض بدل استثمارها في نمو الاقتصاد فسوف تذهب للادخار في المنازل بعد أن فقدت الثقة بالمصارف، أو تنفق في الاستهلاك على سلع أغلبها مستورد في بلد مدولر، أو تستثمر مباشرة من قبل المودعين بقرارات فردية أو عشوائية أو ارتجالية دون خطة إنمائية وطنية شاملة يمكن أن تضع الاقتصاد على سكة جديدة تعيد إليه وإلى الشعب «بعض القوة والأمان في زمن الضعف والهوان» لولا أن مثل هذه الخطة قد تصلح في بلد لا تحكمه كما حال لبنان طبقة سياسية لديها «مناعة تاريخية» ضد أي تخطيط أو ترشيد، وكارتيلات احتكارية تقف متاريس عالية أمام أي قرارات ليبرالية ومنافسات شرعية، وتفرض من طرف واحد كميات الاستيراد أو الإنتاج وتحدد بمفردها حجم الكلف ومستوى الأسعار في بلد توقفت فيه محركات التفتيش وأدوات الرقابة وآليات المساءلة والمحاسبة والأحكام، حتى بات كل قرار فيه أشد مرارة من الآخر وكل محاولة للإنقاذ تموت قبل أن تولد!

ومن الآن حتى ينجلي الموقف وتحسم البدائل، يبقى ٥٥% من شعب لبنان في حالة الفقر و٥٠% في حالة البطالة و٢٨% في فقر مدقع وفي فوضى تكهنات وتوقعات تشل الإنتاج وتزيد التضخم وترفع أسعار السلع المعيشية والضرورية بالاحتكارات والمضاربات.

* كاتب لبناني

عن الكاتب

كاتب لبناني

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"