مجلس الأمن القومي الأمريكي.. دور متجدد

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاطف الغمري

ضمن مظاهر الاختلاف التي يتميز بها النظام السياسي في الولايات المتحدة، عن الأنظمة السياسية في الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة، أن أمريكا لا تعرف نظام مجلس الوزراء بشكله القائم، وليس هناك رئيس للحكومة في النظام الأمريكي يكون من المعتاد أنه يرأس مجلس وزرائه، ويجتمع بهؤلاء الوزراء لتقرير ما يتعلق بسياسات الحكومة تجاه مختلف القضايا؛ بل إن النظام الرئاسي الأمريكي يختلف عن مثيله الذي يحمل نفس الصفة سواء في أوروبا أو في غيرها، حيث إن الوزير مازال يحمل اسم سكرتير مثلما يعرف وزير الخارجية مثلاً، حسب التعبير الأمريكي بأنه Secretary of State، وهذا التعبير كانت بدايته انعكاساً لطبيعة النظام السياسي في أوائل قيام الدولة الأمريكية، عندما كان من يشغل منصب المعاون للرئيس في مجال تخصصه، يعرف بأنه سكرتير الرئيس، لكن التطور في طبيعة عمل النظام السياسي جعله في مرتبة الوزير فعلاً، على الرغم من المسمى.

وعلى ضوء ما هو قائم في الولايات المتحدة، فإن الجهاز الرئيسي الذي يرسم السياسات في الدولة والذي يجتمع تحت قيادة الرئيس، هو مجلس الأمن القومي. وهذا المجلس يضم رسمياً: الرئيس، ونائبه، ومستشار الأمن القومي، ووزيري الخارجية والدفاع، وعدد محدود من الوزراء المختصين الذين يحضرون إذا ما كانت القضية  محل المناقشة  تدخل في نطاق اختصاصهم، لكن القوة المحركة بالمجلس تتكون عملياً من مجموعة قريبة من الرئيس ومستشاريه (خاصة في مجال السياسة الخارجية) من ذوي المعرفة والفكر الخلاق، يعززهم مئتان من الخبراء المعاونين مهمتهم تحليل الأحداث وكتابة المقترحات. هكذا كان مجلس الأمن القومي منذ بداية إنشائه عام 1947، في عهد الرئيس هاري ترومان، وإن كان لم يتحول إلى قوة محركة للسياسة الخارجية إلا في سنوات حكم ريتشار نيكسون، بفضل الدور الذي لعبه هنري كيسنجر الذي جعل من المجلس مؤسسة حديثة ومتطورة للسياسة الخارجية.

وظل المجلس يمارس دوره عندما يطرح المجتمعون وجهات نظرهم في القضية المطروحة، حتى وإن تعارضت وجهات نظر بعضهم البعض، ويكون الرئيس حريصاً على حث المجتمعين على عرض آرائهم أياً كانت، ولكن يبقى له هو في النهاية اتخاذ القرار بشأن السياسة التي تتبع، وبعد أن يكون قد استوعب كافة الآراء التي طرحت في الاجتماع.

دعاني إلى هذه المقدمة الطويلة نسبياً، ما جرى لمجلس الأمن القومي في فترة حكم الرئيس ترامب من تغيير يكاد يكون شاملاً، عما كان متبعاً عبر السنوات الطويلة الماضية.

فالرئيس ترامب تخلص من العشرات من الخبراء بمجلس الأمن القومي، لما تبين له أنهم يحملون وجهات نظر مخالفة لتوجهاته السياسية.

وعلى سبيل المثال فقد أمر بنقل نائب مستشار الأمن القومي من موقعه إلى وزارة الطاقة، بسبب ما وصف بانعدام الولاء للرئيس، إضافة إلى أوامره بتجميد كافة خطوات التعيين في المواقع السياسية في الحكومة في الظروف الراهنة، وهو ما وصفته وسائل الإعلام الأمريكية بقرار ناتج عن شعور ترامب بأنه محاط بكثيرين ممن لا يحملون الولاء له. وفي هذا التوقيت كان جوني ماكنتي الذي عيّنه ترامب في منصب المساعد الخاص للرئيس، شديد الوضوح في تصريحه الذي قال فيه: «إن مهمته الأساسية هي إيجاد فريق أكثر ولاء من حول الرئيس، واستبعاد المسؤولين الذين ليسوا على ولاء له». 

إن الخبراء السياسيين الأمريكيين، إضافة إلى قطاع كبير من الرأي العام، ينظرون إلى هذا المسار غير المألوف لإدارة ترامب في التعامل مع الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس، من المسؤولين الذين جرى تغييرهم مراراً من وزراء الخارجية والدفاع والأمن الداخلي، ومستشاري الأمن القومي، وغيرهم من مختلف مستويات السلطة، باعتباره خروجاً على طبيعة النظام السياسي الأمريكي الذي تميز بثبات طبيعته دون تغيير جوهري طوال السنين الماضية.

لكن حدثت بعد ذلك عند فوز بايدن ودخوله البيت الأبيض، محاولات للخروج من دائرة انقلاب ترامب والعودة إلى النظم السابقة التي كانت تحكم علاقات البيت الأبيض الداخلية، وسياساته في إطار النظم السياسية التقليدية، فلقد اتضحت عودة بايدن إلى نفس النظام القديم المستقر لسنوات طويلة، وهو أن يكون رئيساً لمجلس الأمن القومي، المختص أساساً بصناعة السياسة الخارجية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"