جون والاس *

تُظهر استراتيجية الاتحاد الأوروبي للمناخ «Fit for 55» التي تم الإعلان عنها هذا الشهر، الجهود الشاملة وغير المسبوقة التي سيتم العمل عليها للتصدي للتغير المناخي. وفي هذا الإطار، تم وضع خطة للحد من انبعاثات الكربون السنوية بنسبة 55% بحلول نهاية العقد مقارنة بعام 1990، وهذا يعني أن هذه الاستراتيجية، تهدف إلى خفض الانبعاثات بنحو الثلث بحلول نهاية العقد.

وينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه النسبة تمثل الحد الأدنى المطلوب، لتجنب المستويات الخطيرة للتغير المناخي التي من شأنها تقويض جهود التنمية العالمية على مختلف الصعد. وقد يكون من المستحيل معالجة الفقر وعدم المساواة أو تحسين معايير توفير الرعاية الصحية والتعليم، في حال لم نحرز أيضاً تقدماً سريعاً، لتفادي المزيد من الأضرار التي قد تلحق بالبيئة التي نعتمد جميعاً عليها.

ولا شك بأن مثل هذه الجهود تدعم الإجماع المتزايد من قبل المستهلكين والناخبين والسياسيين والمنظمين وبعض المديرين التنفيذيين على ضرورة اتخاذ الإجراءات المطلوبة. وإذا أردنا الحديث بلغة الأرقام، نجد بأن نسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي الذي يستهدف الوصول إلى صفر انبعاثات على المستوى الوطني، تشكل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، يشمل ذلك التزامات الصين والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية. كما أنه يغطي أكثر من 61% من الانبعاثات العالمية و56% من سكان العالم.

يمثل هذا التحدي غير المسبوق أيضاً فرصة استثمارية مقنعة من خلال توفير رأس المال للشركات التي يمكنها تمكين الانتقال إلى انبعاثات الكربون بمستوى صفر. تركز هذه الشركات على توفير المنتجات والخدمات المهمة لمساعدة قطاعات الأعمال على تحقيق أهدافها المتعلقة بتقليل الانبعاثات. ونعتقد أن شركات الحلول البيئية هذه ستقدم بمرور الوقت أداءً متفوقاً على المدى الطويل مع توسع أسواقها بسرعة.

وثمة اتجاه متزايد بالنسبة لهذه الشركات لتحقيق طموحاتها بالوصول إلى نسب صفرية من الانبعاثات. وفي هذا الصدد، أظهرت أكثر من خُمس الشركات ال 2000 ضمن قائمة فوربس العالمية ما يعادل 417 شركة، والتي تصل مبيعاتها السنوية إلى حوالي 14 تريليون دولار، التزامها بالوصول إلى نسبة صفر من الانبعاثات قبل عام 2050. 

وستكون الشركات التي تهدف إلى تحقيق أهداف مستوى صفر من الانبعاثات بحاجة إلى اتباع نهج «دورة حياة» كامل، بما في ذلك معالجة انبعاثات المنبع (من الموردين)، وكذلك الانبعاثات النهائية التي تلتقط جميع الانبعاثات المهمة من «مرحلة استخدام» المنتج. الأمر المشجع هو أن انبعاثات «النطاق 3» يتم التعرف إليها من خلال مبادرات مثل «السباق إلى الصفر» للأمم المتحدة، باعتبارها عنصراً ضرورياً وليس عنصراً مرغوباً فيه لتحقيق طموحات الشركة الصفرية في الانبعاثات. وأشارت أبحاث صادرة عن جامعة أكسفورد ووحدة معلومات الطاقة والمناخ بأن أكثر من ربع مبيعات الشركات المندرجة ضمن قائمة فوربس 2000 العالمية لديها هدف الوصول إلى مستوى صفر انبعاثات.

وباعتقادنا، أن هذا الاتجاه بدأ فعلياً بإرسال إشارات قوية من خلال سلاسل القيمة، ما يوفر فرصاً لتلك الشركات التي تعمل وفق تقنيات تمكينية لتقليل الزخم الذي يحدثه التغير المناخي لسلاسل التوريد نحو صفر انبعاثات. وعلاوة على ذلك، فإن العديد من هذه الفرص موجودة في القطاعات التي شهدت حتى الآن تقدماً محدوداً، مقارنة بتلك التي بدأت فعلياً باتخاذ خطوات عملية، مثل قطاعي الطاقة والسيارات.

ولا شك بأن مثل هذه الإجراءات ستأخذ وقتاً. بالتالي، تتسارع عملية إزالة الكربون من سلسلة التوريد، ولكنها ليست شائعة ولا تزال تشكل تحدياً واضحاً. وفي حين أن أي شركة مصنعة يمكنها حساب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من عملياتها الخاصة بدرجة عالية نسبياً من الثقة، فإن الحصول على رؤية واضحة حول انبعاثات النطاق 3 هي مسألة معقدة للغاية، خاصة بالنسبة للشركات التي لديها آلاف أو حتى عشرات الآلاف من المنتجات والموردين.

تتسم العديد من التدابير ذات الصلة بالحد من الانبعاثات بكونها باهظة الثمن وصعبة أيضاً للشركات العاملة في مساحات سلعية بهوامش ضئيلة نسبياً وفرص قليلة للتمايز. ومع ذلك، بدأنا نشهد تدفقاً مستمراً للفرص، ويمكن أن تكون هذه الفرص في متناول السوق، حيث يمكن التحكم في زيادة طفيفة في أسعار المواد الخام، كما هي الحال عندما تقوم شركة بشراء سلع استهلاكية ذات إقبال عال يمكن أن تحل مكان المكونات كثيفة الكربون. لذلك، فإن هذا يوفر فرصاً محتملة للشركات المصنعة للمكونات في قطاع المواد الكيميائية، والتي يمكن أن تستفيد بشكل كبير من زيادة الهامش إذا كان لديها منتج مميز يمكن أن يساعد على الانتقال إلى صفر انبعاثات.

وعلى سبيل المثال، يوجد في النرويج شركة تنتج نكهات الفانيليا الاصطناعية من مواد مستدامة قائمة على الخشب كبديل لنكهات الفانيليا البترولية التي تعتبر شيئاً اعتيادياً في صناعة الأغذية. يوفر المنتج القائم على الخشب تقليل الكربون على أساس دورة الحياة بحوالي 90% مقابل المكون الذي يعتمد على الزيت. وتنمو هذه الفئة بنسبة تزيد على 10% سنوياً مقارنة بنسبة 1% سنوياً للفانيليا الاصطناعية القائمة على الزيت.

ويمكن القول إن الطموحات للوصول إلى مستوى صفر انبعاثات تحتاج إلى حلول بيئية بالتأكيد، كما سنحتاج إلى المزيد من الحلول ونشرها على نطاق واسع عبر القطاعات. وستتمتع الشركات التي تصنّع المنتجات والخدمات الخالية من الانبعاثات بملف تعريف مرتفع، ما يعكس مدى الحاجة إلى تطوير خطط التخفيف من آثار التغير المناخي. نعتقد أن هذه فرص طويلة الأمد، ولا تقتصر فقط على الحلول البارزة مثل السيارات الكهربائية أو الطاقة النظيفة.

وفي الختام أودّ الإشارة بأنه يتوقع رؤية حلول بيئية تقترن بالوصول إلى مجموعة أوسع من الفرص المحتملة، بما في ذلك الأسواق والقطاعات التي لا يتم الوصول إليها بشكل كبير. كما نتوقع أيضاً أن نشهد نمواً مستمراً وتنوع مجموعة الفرص المتاحة، وسيوفر ذلك بيئة انتقاء جيدة للمخزون على المدى الطويل.

* مدير صندوق الحلول البيئية، في شركة جوبيتر لإدارة الأصول