العراق ما بعد الانتخابات

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

على الرغم من بعض المفاجآت التي أفرزتها نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية، وظهور مؤشرات واعدة على إمكانية حدوث تغيير طفيف في النظام السياسي العراقي، إلا أن هذه المؤشرات لا ترتقي إلى حد الرهان على تغيير حقيقي ينشده العراقيون، وبقيت القوى التقليدية تتسيّد الموقف وتهيمن على السلطة السياسية، بغض النظر عن تفاوت تأثيرها في إدارة البلاد.
 ومع عدم توقع حدوث تغيير ذي شأن في النتائج المعلنة، رغم الطعون التي تجاوزت الألف، بحسب مفوضية الانتخابات، إلا أنها حملت في ثناياها بوادر أزمة حقيقية للمكونات الرئيسية الثلاث (الشيعية والسنية والكردية). فللوهلة الأولى، يبدو أن حلول كتلة التيار الصدري في المرتبة الأولى بواقع 73 مقعداً، سيحسم نظرياً مسألة تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر والفوز بمنصب رئاسة الوزراء. تبين أن الأمور لن تكون سهلة، مع حلول تحالف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي في المرتبة الثالثة بوقع 37 مقعداً، بعد تحالف «تقدم» بزعامة رئيس البرلمان المنتهية ولايته محمد الحلبوسي الذي حل في المرتبة الثانية بواقع 38 مقعداً، وتراجع تحالف «الفتح» بزعامة هادي العامري، والذي يمثل الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران، بعد أن مني بخسارة فادحة بحصوله على 16 مقعداً من 47 مقعداً في انتخابات 2018.
 وإذا كانت طبيعة التحالفات الجارية غير واضحة المعالم حتى الآن، فإن ما هو واضح ظهور أزمة خطِرة داخل «المكوّن الشيعي» تخللها اتهامات بالتزوير، ونزول مؤيدي أنصار «الفتح» إلى الشارع والتهديد باندلاع «حرب أهلية» في حال تكريس هذه النتائج. غير أن هناك من يرى أنه لا مصلحة لأحد في اندلاع مثل هذه الحرب، وأن «المكون الشيعي» محكوم، في نهاية الأمر، بالتوصل إلى توافق، قبل الذهاب إلى الفضائين «السني» و«الكردي» لبحث التحالفات وتوزيع الحصص والاتفاق على منصبي رئاسة البرلمان والجمهورية. وبالتالي فإن المسألة لا تزال غير محسومة للتيار الصدري، بوجود منافسة قوية من جانب المالكي الذي يجيد اللعب في مساحة التحالفات، ومن ذلك الإعلان عن تشكيله كتلة ائتلافية مع القوى الخاسرة من 85 مقعداً، فيما يرى بعض المراقبين أن العملية لن تتعدى محاولة الضغط على التيار الصدري للوصول إلى توافق حول تسمية رئيس وزراء من خارج المعسكرين، وهو الأمر الذي قد يستغرق وقتاً طويلاً، خصوصاً أن المالكي متهم لدى قطاع واسع من العراقيين بأنه يقف خلف منظومة الفساد التي نخرت البلاد وبددت ثرواتها، وأنه مسؤول، ولو بشكل غير مباشر، عن قيام «دولة داعش» على أجزاء واسعة من البلاد في 2014، كما أن التيار الصدري أكثر قدرة على التحالف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني (حصل على 32 مقعداً)، بسبب علاقاته الجيدة مع الأكراد، وكذلك مع تحالف الحلبوسي. ولكن أياً كانت التحالفات الجديدة، فإنها لن تكون سوى تكريس لهيمنة القوى التقليدية، خلافاً لرغبة أغلبية العراقيين الذين يطمحون في قيام دولة وطنية ديمقراطية ومستقلة ذات سيادة، تستعيد هيبتها في إطار المؤسسات والقانون.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"