على الرغم من انسداد الأفق أمام المسار السياسي لتنفيذ «حلّ الدولتين» لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، شهدت باريس، قبل أيام، مؤتمراً دولياً حاشداً، في محاولة لإحياء الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
يمكن اعتبار هذا المؤتمر، الذي ضم المئات من وزراء الخارجية والشخصيات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وجاء انعقاده بمناسبة مرور عام على «إعلان نيويورك» الذي حظي بتبنّي 142 دولة وطرح خريطة طريق لتنفيذ «حل الدولتين»، بمثابة من يلقي حجراً في المياه الراكدة. ذلك أن التطورات التي أعقبت هذا الإعلان جاءت سريعة ومتلاحقة، حيث شهدت المنطقة مزيداً من الحروب، وتم ابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، في غزة والضفة الغربية، وتسارعت وتيرة الاستيطان وإجراءات ضم الضفة في استغلال واضح للتوتر الإقليمي الدائر في المنطقة.
وسط كل هذه التطورات، أطلق مؤتمر باريس مبادرة تتألف من ثماني نقاط، أبرزها «وقف دائم لإطلاق النار، ووقف بناء المستوطنات، وإعادة إعمار غزة، وإجراء إصلاحات للحكم، وتعزيز الدعم الدولي للمجتمع المدني»، بهدف دعوة المجتمع الدولي إلى التحرك، ووضعه في قلب العملية السياسية، كما يقول المنظمون. لكن يبدو أن هذه المحاولة، التي وضعها منظموها أمام قمة قادة مجموعة السبع التي انعقدت في فرنسا بعد ذلك بيومين، لم تلقَ الاهتمام الكافي للخروج بموقف واضح وموحد، طالما أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعارضان هذا الحل، وفي ظل قضايا عالمية أكثر الحاحاً طغت على أعمال القمة. هناك أيضاً خطة أمريكية متعثرة في قطاع غزة، وتهديدات باستئناف الحرب بذريعة «نزع السلاح»، من دون ربط ذلك بأي أفق سياسي، وهناك مطالبات من اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة سموتريتش، وبن غفير، بإعلان ضم الضفة الغربية رسمياً، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بينما يجري على الأرض كل ما من شأنه أن يقوّض «حل الدولتين»، ويمنع قيام دولة فلسطينية. وبالتالي، لم يعد الغضب الأوروبي تجاه إرهاب المستوطنين وفرض عقوبات على بعض كياناتهم المتطرفة كافياً لكبح جماح التغول الاستيطاني، أو الحيلولة دون الضم الفعلي للضفة الغربية، ما لم يقترن بخطوات عملية جادة وملموسة لوقف الإجراءات الإسرائيلية، وضغط دولي هائل لفتح الطريق أمام تسوية سياسية. ذلك أن الصحوة الأوروبية جاءت متأخرة كثيراً، بعد الحديث عن «حلّ الدولتين» طوال أكثر من 30 عاماً، من دون أن تتم ترجمة هذا الحديث إلى خطوات عملية، وخريطة طريق تفضي إلى تسوية سياسية للصراع. ومع ذلك، وعلى الرغم من انسداد نوافذ الفرص، لا يزال الفلسطينيون، الذين تحمّلوا من الويلات ما لم يتحمله أيّ شعب آخر، يتشبثون بالأمل في رهان على الضمير العالمي في الانحياز إلى جانب عدالة قضيتهم، وحقوقهم المشروعة، وتمكينهم من الخلاص من الاحتلال، وإقامة دولتهم المتسقلة، وهو أمر بات ضرورة ملحّة، لكي تنعم المنطقة بالسلام، والأمن، والاستقرار.
[email protected]
في مطلع يونيو/ حزيران الجاري، فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد غير دائم لها في مجلس الأمن الدولي، خلال تصويت سرّي جرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تفوقت عليها كل من البرتغال والنمسا بفارق كبير، وتمكنتا من حجز مقعديهما عن مجموعة أوروبا الغربية.
ينظر إلى هذه الخسارة على أنها تمثل انتكاسة مهمة للدبلوماسية الألمانية، وتعكس تراجعاً للثقة الدولية بالسياسة الخارجية لبرلين، بالنظر إلى المكانة التي تمتعت بها لعقود داخل الأمم المتحدة. إذ إن ألمانيا تعتبر من أكبر المساهمين الماليين في الأمم المتحدة، ولطالما ارتبط اسمها، تاريخياً، بالدفاع عن القانون الدولي، والتعدّدية، وحقوق الإنسان، ما جعلها تحظى بصورة إيجابية لدى دول كثيرة.
غير أن ما حدث في هذه الانتخابات شكّل صدمة لها، خصوصاً أنها اعتادت على الفوز بعضوية مجلس الأمن غير الدائمة، كلما ترشحت، كما أنها بذلت جهوداً كبيرة، في الأشهر الأخيرة، لتحقيق هذا الفوز، وتصرفت بكثير من الثقة كما لو أن هذا الفوز كان مؤمّناً في جيبها، أو أنه مجرّد تحصيل حاصل. وبالتالي فقد شكلت النتائج التي أسفرت عنها هذه الانتخابات حرجاً بالغاً لحكومة برلين، مع حصولها على 104 أصوات مقابل حصول البرتغال على 134 صوتاً، والنمسا على 131 صوتاً، ما أثار جدلاً كبيراً لدى الأوساط السياسية، وفي الداخل الألماني.
ويرى كثير من المراقبين أن حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة وعدم اتخاذ ألمانيا موقفاً صريحاً مناهضاً لها، واستمراها في دعم إسرائيل بالأسلحة والعتاد، والتغطية على جرائمها بذريعة ما يسمى «حقها في الدفاع عن النفس» كانت العامل الأبرز، من بين ملفات أخرى، في خسارتها عضوية مجلس الأمن.
فهناك دول كثيرة ترى في استمرار الدعم الألماني للحرب الإسرائيلية على غزة نوعاً من الانقلاب على مواقفها التقليدية تجاه القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويمثل نموذجاً صارخاً على المعايير المزدوجة لسياسة برلين الخارجية. فضلاً عمّا تظهره استطلاعات الرأي من وجود فجوة كبيرة بين مواقف قطاعات واسعة من الرأي العام، وبين سياسات الحكومة في برلين، لا سيما تجاه حرب الإبادة الجماعية في غزة.
بهذا المعنى، فإن نتائج التصويت تعكس رفضاً لسياسة الحكومة الألمانية تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة، لدى الكثير من الدول، خصوصاً لدى دول الجنوب العالمي، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، والتي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في تشكيل موازين التصويت في الأمم المتحدة. ومع أن برلين حاولت أن تصرف النظر عن موقفها من إسرائيل وحربها على غزة، بادعاء أن سبب خسارتها يعود إلى دعمها لأوكرانيا، إلا أنها سرعان ما اكتشفت أن حجتها واهية، وأن من فازوا عليها هم أيضاً يدعمون أوكرانيا. لكن يبدو أن لعنة غزة بدأت تطارد الدول التي تواطأت ضدها، فهل تذهب غزة إلى فرض عقابها الخاص؟
[email protected]
الدعوة التي وجهها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لعقد محادثات مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بلد محايد لإنهاء الحرب الأوكرانية التي دخلت منذ بضعة أشهر عامها الخامس، لا يبدو أنها لقيت صدى إيجابياً في موسكو في ظل الاستعداد لمواصلة الحرب.
من حيث المبدأ، لا أحد يعترض على إنهاء الحرب في أوكرانيا التي تحولت إلى حرب استنزاف ليس لموسكو وحدها وإنما لأوكرانيا أيضاً ومعها أوروبا والغرب عموماً، وباتت مرشحة للاتساع وتهديد القارة الأوروبية برمتها إذا لم يتم نزع فتيل التوتر والعمل الجاد للتوصل إلى تسوية عادلة تراعي مصالح كل الأطراف الأمنية والسياسية والاقتصادية. كما أن موسكو لا تعترض مبدئياً على المفاوضات لإنهاء النزاع، بحسب التصريحات الصادرة عنها إذا ما توفرت الظروف الملائمة لخوض هذه المفاوضات. وسبق لموسكو أن خاضت هذه التجربة أكثر من مرة، آخرها الوساطة الأمريكية التي تعثرت في مرحلة ما بسبب عوامل كثيرة، يأتي في مقدمتها الإصرار الأوروبي على الحضور والمشاركة الفاعلة في هذه المفاوضات وهو عامل مهم إذا ما تم استثماره إيجابياً في إعادة صياغة الأمن الأوروبي على قاعدة الأمن للجميع واحترام مصالح الجميع بعدما اختلت هذه المعادلة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي. مشكلة روسيا أنها تريد إعادة تصحيح هذا الخلل الذي تعتقد أنه كان مجحفاً بحقها في لحظة ضعف أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وألحقت ضرراً فادحاً بمصالحها وما تعتبره فضاء لها، حيث تقدم حلف «الناتو» ليقف على أعتاب موسكو. ومن هنا يأتي الرفض الروسي لانضمام أوكرانيا إلى حلف «الناتو» كي لا يضع جنود الحلف أقدامهم على حدودها الجنوبية، بعدما كان الحلف قد رسخ أقدامه في دول البلطيق.
ما تراه موسكو أن إشراك أوروبا في المفاوضات الأوكرانية يحمل أمرين متناقضين لا يستقيمان، حيث لا يمكن الجمع بين الحرب والسلام معاً، إذ من وجهة نظر روسيا، تقدم أوروبا لأوكرانيا أحدث أنواع السلاح والتكنولوجيا والتمويل وكل أنواع الدعم السياسي والاقتصادي، وتفرض العقوبات تلو العقوبات على موسكو، وهي تستعد لفرض الحزمة ال21 من هذه العقوبات، بينما تدفع الآن كييف نحو المفاوضات.
وغني عن القول إن بعض هذه العقوبات ألحق أضراراً بالجانب الأوروبي أكثر مما ألحقه بروسيا، علاوة على أن هناك أصواتاً أوروبية كثيرة، خصوصاً في ألمانيا وفرنسا، بدأت تتعالى لإعادة فتح الحوار مع موسكو. لكن المسألة برمتها، من وجهة نظر موسكو، تحتاج إلى تهيئة الظروف المناسبة والإقرار بما تعتبره حقوقاً لها في مجال الأمن والسيادة بالدرجة الأولى، وعندما يتم التفاهم مبدئياً على هذه الحقوق، لا ترى موسكو أي مانع في لقاء بوتين وزيلينسكي، بحسب ما صدر عن الكرملين، ولا في إشراك أوروبا في المفاوضات على قاعدة تحقيق الأمن للجميع واحترام سيادة الدول على قدم المساواة.
[email protected]
يصعب تصور أن تلتزم إسرائيل بأي اتفاقات لوقف إطلاق النار في عموم المنطقة ما لم تكن هذه الاتفاقات تصب في خدمة مخططاتها وأهدافها بنسبة مئة في المئة، وذلك استناداً إلى موازين القوى التي تميل لصالحها بصورة شبه مطلقة.
ووفق هذه القاعدة تتعامل إسرائيل مع كل الاتفاقات التي تضطر إلى توقيعها تحت الضغوط الدولية، والأمريكية تحديداً، ليس في غزة فقط بل في المنطقة عموماً، التي تمنحها غالباً ما تسميه «حرية الحركة» ضد ما تعتبره تهديدات بذريعة «الدفاع عن النفس». وتحت هذه الذريعة، يتم منع إدخال المساعدات وتجري عمليات الاغتيال وقصف خيام النازحين وتحريك ما يسمى ب«الخط الأصفر» لتوسيع سيطرة الاحتلال في قطاع غزة، وحشر أكثر من مليوني فلسطيني في نحو ثلث مساحة القطاع، خلال الهدنة.
وتحت هذه الذريعة أيضاً تستمر إسرائيل في خروقاتها التي باتت تعد بالآلاف لوقف إطلاق النار، وتستمر في قتل مئات الفلسطينيين رغم الهدنة، وتواصل تشديد الحصار وإغلاق المعابر، بهدف تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم. وهو ما يعني، في النهاية، أن خطط وأهداف إسرائيل الحقيقية المتمثلة في الاحتلال والتهجير والاستيطان لا تزال على الطاولة، حتى وإن اختبأت وراء هدنة هشة لبعض الوقت، فيما يجاهر بها، بين الحين والآخر، كبار المسؤولين الإسرائيليين، من نتنياهو إلى كاتس، وليس فقط زعماء اليمين المتطرف.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم لماذا تتباطأ إسرائيل في تنفيذ الخطة الأمريكية بشأن غزة، وترفض استكمال ما عليها من استحقاقات المرحلة الأولى، أو ربط هذه الاستحقاقات بالمرحلة الثانية من الاتفاق. والغريب في الأمر، أننا لم نسمع إدانة صريحة من الوسطاء أو من «مجلس السلام» لكل هذه الخروقات الإسرائيلية، أو تحميل إسرائيل مسؤولية عرقلة تنفيذ الاتفاق.
والأغرب أنه على الرغم من مرور أشهر طويلة على إطلاق الخطة الأمريكية، فإن المشهد الغزي لم يتغير، حتى الآن، فلا قوة الاستقرار الدولية أخذت مواقعها في القطاع، ولا يوجد أي مظهر من مظاهر إعادة الإعمار، ولا سمح للجنة الإدارة الفلسطينية الجديدة بالدخول إلى غزة لتسلم السلطة، بينما يتوقف الجميع عند مسألة «نزع سلاح». وهذه مسألة في العرف الفلسطيني يفترض أنها جامعة وتحظى بإجماع وطني، ويفترض أن تكون مرتبطة بفتح مسار سياسي جدي يفضي إلى تسوية جدية للصراع.
وبالتالي فإن اجتماع القاهرة بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء وممثلي «مجلس السلام»، لإنعاش اتفاق غزة وطرح أفكار ومقاربات جديدة لتجسير الهوة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي، يفترض أن يكون معنياً بوضع النقاط على الحروف، وتحديداً بشأن وضع حد للخروقات الإسرائيلية والمقتلة اليومية للفلسطينيين، وإلزام الجانب الإسرائيلي بتنفيذ الاستحقاقات المترتبة عليه، خصوصاً لجهة إدخال المساعدات وفتح المعابر، قبل أن تتحول الكارثة الفلسطينية في غزة إلى انفجار كبير لا أحد يمكنه التكهن بنتائجه.
[email protected]
أقر «الكنيست» الإسرائيلي بالقراءة الأولى حل نفسه بأغلبية 106 أصوات من أصل 120 ومن دون أي معارضة، في خطوة تقرب الإسرائيليين من صناديق الاقتراع لحسم الكثير من الخلافات الداخلية المتفاقمة على مدى نحو ثلاث سنوات ونصف من هيمنة الائتلاف اليميني الحاكم.
وعلى الرغم من الحاجة لإنهاء المسار التشريعي من خلال استكمال مشروع القانون بالقراءتين الثانية والثالثة، إلا أن الأمور باتت تسير نحو تبكير موعد الانتخابات التي ينبغي أن تجرى خلال 90 يوماً بمجرد إقرار الموافقة النهائية. ومع ذلك، فإن «حل الكنيست» بحد ذاته كان عنواناً لمعركة داخلية بين مختلف المكونات الإسرائيلية، التي تلتقي جميعاً، ظاهرياً، على هدف «حل الكنيست» وإجراء انتخابات مبكرة، إلا أنها تختلف حول الطريقة لتحقيق ذلك، وحتى على تحديد موعد الانتخابات المقبلة.
ففي الأصل بادرت أحزاب المعارضة بطرح مشروع قانون حل الكنيست بهدف إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو، مستغلة الخلافات التي انفجرت داخل الائتلاف الحاكم حول قانون إعفاء «الحرديم» من التجنيد في لحظة فاصلة وحساسة يحتاج فيها الجيش إلى آلاف جنود الاحتياط لتغطية النقص العددي على خلفية الحروب التي يخوضها على عدة جبهات. غير أن الائتلاف الحاكم سارع إلى طرح مشروع حل الكنيست لقطع الطرق على أحزاب المعارضة ومنعها من الظهور بمظهر من ألحق هزيمة سياسية بالائتلاف الحاكم، الذي لا يرغب في الذهاب إلى هذه الانتخابات تحت ضغط المعارضة. ومع أن الفاصل الزمني بين الانتخابات المقررة أصلاً في أكتوبر/تشرين الأول المقبل والانتخابات المبكرة التي ينتظر إجراؤها في سبتمبر/أيلول يعد بالأيام أو بالأسابيع، إلا أنه يحمل أبعاداً ودلالات سياسية كبيرة. إذ إن نتنياهو لا يريد أن تجرى هذه الانتخابات في شهر أكتوبر الذي يتزامن مع هجوم السابع من أكتوبر، وما أفرزه من تداعيات وخلافات سياسية، بين القيادتين السياسية والعسكرية، تتمحور أساساً حول من يتحمل المسؤولية عن هذا الهجوم، والمحاولات المستمرة لمنع تشكيل لجنة تحقيق رسمية في هذا الصدد. ناهيك عن الحسابات السياسية لكل من أحزاب المعارضة والائتلاف الحاكم، والتي أجبرت الجميع على التوجه نحو انتخابات مبكرة، في رهان على تغيير المعدلات القائمة بما يتناسب مع حسابات كل طرف.
غير أن واقع الحال، يبدو أعمق من ذلك بكثير، فما بين انتخابات الكنيست الماضي والكنيست المنتظر الذي سيحمل الرقم 26، جرت مياه كثيرة في بحر الخلافات الإسرائيلية، إن على صعيد حرب الإبادة في غزة وأهدافها وتداعياتها، أو الانقسام الداخلي حول ما يسمى «التعديلات القضائية»، أو الحروب اللاحقة التي شنتها إسرائيل في المنطقة.
المعطيات المتوفرة، في اللحظة الراهنة، لا تمنح أياً من الائتلاف الحاكم أو المعارضة، القدرة على تشكيل حكومة منفردة، وبالتالي فإن الصراع سيظل محتدماً حول تغيير التحالفات أو تحقيق مكاسب سياسية، طالما أن المعركة لم تنته بعد.
[email protected]
في كل الاتفاقات التي تم التوصل إليها حول وقف إطلاق النار مع إسرائيل، كان هنالك بند خارج النص يُمنح لها غالباً من قبل واشنطن ويتيح لها «حرية التحرك» في مواجهة ما تعتبره «تهديدات» ضدها من دون أن يكون هناك أي رقابة من أي جهة يمكنها التحقق من صحة هذه الادعاءات.
هكذا ظلت إسرائيل تجد نفسها بمنأى عن أي قيود أو التزامات بالاتفاقات المبرمة مهما كانت الجهة الراعية لها، وهكذا تحولت الهدن إلى وقف إطلاق النار من جانب واحد فقط. هذا ما حدث ويحدث على «كل الجبهات» في غزة ولبنان وسوريا وغيرها، ويجعل من إسرائيل فوق كل المقاربات وصاحبة اليد الأولى والأخيرة في تقرير مصير هذه الاتفاقات. بهذا المعنى، تستطيع إسرائيل مواصلة إطلاق النار على كل الجبهات من دون أن يعتبر ذلك خرقاً للاتفاقات، استناداً إلى الحماية الأمريكية والصمت الدولي.
في الحالة الفلسطينية، لم تلتزم إسرائيل لحظة واحدة بوقف إطلاق النار ولا بالاستحقاقات المترتبة على «خطة السلام» الأمريكية والمؤطرة بقرار من مجلس الأمن الدولي، تارة بذريعة «نزع السلاح» وأخرى بوجود تهديدات. فالخروقات الإسرائيلية أصبحت بالآلاف وتجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين أكثر من ألف قتيل منذ بدء سريان الهدنة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ومع ذلك لم تواجه هذه الخروقات بموقف حازم من جانب الوسطاء والراعي الأمريكي على وجه الخصوص. بل على العكس، استمرت إسرائيل في رفع راية التحدي، وبدلاً من تنفيذ كامل استحقاقات المرحلة الأولى من «اتفاق غزة» على صعيد الالتزام بوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات وفتح المعابر، قبل الانتقال للمرحلة الثانية، أصبحت تجاهر علناً بتوسيع سيطرتها على قطاع غزة. وهكذا لم يعد ما يسمى «الخط الأصفر» خطاً مؤقتاً يمهد للانسحاب الإسرائيلي من القطاع، بقدر ما أصبح عنواناً للقتل بذريعة الاقتراب منه، بل تحوّل إلى أداة للقضم التدريجي، وجرى تحريكه لتصبح السيطرة الإسرائيلية على 60% من القطاع بدلاً من نحو 50%، قبل أن يأمر نتنياهو جيشه بالسيطرة على 70%، وسط تهديدات باحتلال القطاع بكامله.
صحيح أن هذه التهديدات ليست جديدة، وأنها على رأس مطالب اليمين الإسرائيلي المتطرف منذ بداية الحرب، والذي لا يزال يصّر على إعادة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، ولكنها لم تقابل بأي مواقف جدية لمنع نسف «الخطة الأمريكية» نفسها، باستثناء تحذيرات فلسطينية خجولة من انهيار الهدنة. غير أن السؤال الجوهري هو، لماذا تغض الإدارة الأمريكية الطرف عن كل هذه الانتهاكات، وهي تدرك أنها تمس جوهر رعايتها للاتفاقات؟ ربما يعود ذلك إلى طبيعة التحالف الاستراتيجي بين الجانبين، أو تقاطع المصالح السياسية، أو ربما يعود إلى حرص الولايات المتحدة على احتواء أي خلافات بينهما وراء الكواليس أو في الغرف المغلقة، إن حسنت النوايا.
[email protected]