صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يونس السيد
كاتب
أحدث مقالات يونس السيد
25 مايو 2026
كوبا في قلب الصراع

التاريخ لا يعيد نفسه، ومع ذلك لا تزال الولايات المتحدة تريد السيطرة على كوبا، أو إسقاط نظامها، باعتباره نظاماً معادياً لها بذريعة ارتباطه بروسيا والصين راهناً، وارتباطه بالاتحاد السوفييتي سابقاً، على الرغم من أن الأمر يأخذ بعداً أكثر عمقاً وشمولية، هذه المرة.

ولكن لا بأس من العودة قليلاً إلى الوراء، فمنذ قبل ما يعرف بأزمة «خليج الخنازير» في عام 1961، كانت الثورة الكوبية، بقيادة فيدل كاسترو، قد نجحت في عام 1959 في إسقاط نظام باتيستا الذي كان يعتبر رمزاً للفساد والتبعية للولايات المتحدة. ما أغضب واشنطن التي جنّدت مئات المعارضين الكوبيين في المنفي لإسقاط نظام كاسترو في المهد، والذي كان قد أصبح حليفاً للاتحاد السوفييتي آنذاك.

وبالفعل، تم تنفيذ ما عرف بإنزال «خليج الخازير» في إبريل/ نيسان 1961، غير أن العملية منيت بالفشل الذريع، وسرعان ما أخذت بعداً دولياً بعد أن نشر الاتحاد السوفييتي صواريخ نووية متوسطة في الجزيرة الكوبية التي لا تبعد سوى نحو 150 كيلومتراً عن السواحل الأمريكية، فيما ردت الولايات المتحدة بنشر صواريخ مماثلة في المقابل، وهددت بغزو الجزيرة في تطور كاد ينذر باندلاع حرب نووية عالمية.

يومها كان هناك نيكيتا خورتشوف وجون كيندي اللذين توصّلا، في نهاية المطاف، إلى تسوية سلمية انتهت بسحب الصواريخ السوفييتية، وتعهّد أمريكي بعدم غزو الجزيرة. لكن منذ ذلك التاريخ أيضاً، فرضت واشنطن حصاراً اقتصادياً على الجزيرة، تم تخفيفه قليلاً في عهد أوباما، وها هي تعود اليوم إلى واجهة الصراع، ليس على خلفية العداء الأيديولوجي والتاريخي بين الجانبين فقط، وإنما لأنها تدخل في صلب العقيدة الأمريكية الجديدة الهادفة لإعادة بسط سيطرتها على ما تعتبره «حديقة خلفية» لها، ورسم خرائط نفوذ جديدة تقضي بفرض هيمنتها على الأمريكتين، ونصف الكرة الغربي.

من هنا، يمكن النظر إلى محاولات السيطرة على قناة بنما، وجزيرة غرينلاند، وضم كندا، ثم السيطرة على فنزويلا واقتياد رئيسها، نيكولاس مادورو، سجيناً إلى الولايات المتحدة، على أنها جزء من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، القائمة على إسقاط ما تعتبره أنظمة معادية في القارة اللاتينية، وتنصيب أنظمة موالية لها، للاستيلاء على ثرواتها أولاً، وفكّ ارتباط دول القارة مع منافسيها الكبيرين، روسيا والصين.

في هذا السياق، شدّدت الولايات المتحدة حصارها الإقتصادي والعسكري على كوبا، إلى الحد الذي بات يخنق سكان الجزيرة، ويرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، حيث انقطاع الكهرباء بشكل شبه متواصل، وإغلاق المدارس والجامعات في بعض أنحاء البلاد، بسبب ندرة المحروقات، في تناقض صارخ مع كل الأعراف والقوانين الدولية. ومع ذلك، لا يبدو أن كوبا من النوع الذي يقبل الاستسلام، إذ حذرت من أن أيّ محاولة لغزو الجزيرة ستؤدي إلى بحور من الدماء، وسيكون لها تداعيات خطرة على المستوى الدولي.

[email protected]

21 مايو 2026
لبنان بين الهُدن والتمديد

من نافلة القول أن الهُدن اللبنانية التي تم تمديدها مرتين في مفاوضات واشنطن، فشلت في تحقيق وقف حقيقي لإطلاق النار لاعتبارات أعمق كثيراً مما يقال، ربما تتعلق بعدم قدرة إسرائيل على الحسم العسكري في الميدان أولاً، وثانياً عدم الرغبة في الانسحاب من المناطق التي احتلتها في جنوب لبنان، من دون ثمن سياسي.

بين هذا وذاك، يبدو أن الطرفين، اللبناني والإسرائيلي، قد دخلا في مأزق حقيقي، فإسرائيل مع سعيها إلى عدم الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة يصعب تحمّلها رغم فائض القوة الذي تمتلكه قواتها، لم تنجح سوى في عمليات قتل وتهجير ودمار هائل ولم تتمكن من إحداث أي تغيير جذري في الواقع الميداني. بل على العكس، تحوّل هذا العامل إلى نقطة خلافية بين القيادة السياسية التي تطالب الجيش بإحداث اختراق جدّي يفضي إلى تحقيق أهداف الحرب، وفق ما تعهدت به مقدماً، وبين المؤسسة العسكرية التي ترى استحالة تحقيق هذا الهدف من دون إحداث اختراق سياسي.

وربما يكون هذا هو السبب الذي يقف وراء انعقاد مفاوضات واشنطن، التي في ضوئها يتم تمديد وقف إطلاق النار، الذي لم يتوقف أصلاً، على الرغم من القيود التي فرضتها واشنطن بشأن تحييد بيروت والبقاع شرقي البلاد. وفي كل الأحوال، ليست الاستثناءات وحدها، ولا مسيّرات «حزب الله» التي تحولت إلى معضلة إسرائيلية حقيقية، هي من يحول دون التوصل إلى وقف إطلاق نار حقيقي، يفضي إلى تفاهمات حول تسوية سياسية مقبولة لدى الطرفين.

فالدولة اللبنانية، حدّدت أهدافها التفاوضية في وقف إطلاق النار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الحدود الدولية، وإطلاق سراح الأسرى، والبدء بإعادة الإعمار، وإعادة المهجرين إلى بلداتهم وقراهم، مقابل التوصل إلى اتفاق سلام. لكن الموقف اللبناني لا يزال يفتقر إلى رؤية وطنية موحدة، وإلى ضمانات دولية، إذ إن الضمانات الأمريكية وحدها تبدو غير كافية، في ظل المعادلات اللبنانية الطائفية، والانقسام القائم حول المسار التفاوضي برمّته. وعلى الجانب الآخر، هناك رفض إسرائيلي لقيام أي معادلات جديدة تكبّل يديها تجاه حرية التحرك ضد ما تعتبره تهديدات في أيّ وقت، فضلاً عن أن هناك قوى يمينية إسرائيلية متطرفة تدفع باتجاه إدامة احتلال جنوب لبنان والاستيطان فيه. لكن ذلك كله لا يزال رهناً بظروف الميدان، والقدرة على الحسم، وبالتالي، فإن المقاربة تقضي بصعوبة الحصول بالدبلوماسية على ما لم يتم أخذه في الميدان. ما يعني عودة الأمور إلى المربع الأول، وتوظيف عوامل الضغط نحو إسناد مهمة نزع السلاح إلى الجيش اللبناني، وهي مقاربة خطرة، إن لم تحظ بإجماع وطني داخلي، لأن البديل لذلك هو كارثة وطنية قوامها الفتنة والإقتتال الداخلي، وعودة الحرب الأهلية، فضلاً عن إمكانية أن يكون الجيش نفسه ضحية لها.

[email protected]

18 مايو 2026
78 عاماً والنكبة مستمرة

بعد مرور 78 عاماً على النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني مع قيام إسرائيل عام 1948، واحتلال نحو 85 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية، وتشريد مئات الآلاف إلى الدول العربية المجاورة والشتات، لا تزال النكبة حاضرة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، ولا يزال حلم العودة يداعب مخيلة هؤلاء اللاجئين على الرغم من قسوة الظروف التي يعيشونها.

ما بين عامي 1948 و2026، جرت مياه كثيرة في نهر الأحداث، واندلعت حروب متعددة، سالت خلالها بحور من الدماء، كان آخرها حرب الإبادة التي شهدها قطاع غزة وهي لا تزال مستمرة. كما شهدت اندلاع ثورة فلسطينية أفضت في النهاية إلى «سلطة» ترزح تحت نير الاحتلال، من دون أن تتمكن من تطوير نفسها إلى دولة فلسطينية، على الرغم من اعتراف أغلبية دول العالم بها، كما أفضت إلى انقسام وتشرذم فلسطيني هبط بالقضية الفلسطينية إلى أضعف مراحلها.

استفاق الفلسطينيون في ذكرى النكبة، هذا العام، على واقع أكثر قسوة وإيلاماً، مع سقوط عشرات آلاف الضحايا في حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، وتدمير لم ير له العالم مثيلاً من قبل، مع تحويل أكثر من مليوني فلسطيني إضافي إلى نازحين.

أما في الضفة الغربية، فلا يقل الأمر خطورة مع تسريع وتائر الاستيطان، وتصاعد إجراءات الاحتلال الهادفة لابتلاع معظم الأراضي الفلسطينية عبر «التشريعات» والأوامر العسكرية وسياسات المصادرة والهدم والتهجير، كما حدث في مخيمات شمال الضفة، تمهيداً لفرض الضم الفعلي في تحد صريح للمجتمع الدولي والقوانين الدولية. والأسوأ هو إطلاق يد المستوطنين في استباحة الضفة الغربية، بعد تسليحهم، عبر إحراق منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، ومصادرة أراضيهم وسرقة مواشيهم، والاعتداء على التجمعات البدوية وتهجيرها، وصولاً إلى حد قتل عشرات الفلسطينيين من دون أي مساءلة.

هذا الواقع يضاف إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين وحشرهم في مناطق معزولة، عبر نحو ألف حاجز وبوابة عسكرية منتشرة في أنحاء الضفة الغربية، ناهيك عن الاعتداءات المتواصلة على الأماكن والمقدسات الدينية والاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى بهدف فرض واقع جديد يفضي إلى تقسيم مكاني وزماني على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

وغني عن القول إن الهدف النهائي من وراء كل هذه السياسات والممارسات هو دفع الفلسطينيين إلى التخلي عن أرضهم ووطنهم وطردهم إلى المنافي القريبة والبعيدة.

ورغم هذا الواقع المأساوي، الذي يزداد سوءاً مع تراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع، خصوصاً في ظل التوتر والتطورات الناشئة في المنطقة، إلا أن الفلسطينيين لا يزالون يتمسكون بحقهم في العودة، باعتباره حقاً لا يسقط بالتقادم، بينما تلوح بارقة أمل مهمة، هي أن القضية الفلسطينية قفزت إلى صدارة الضمير العالمي، وتمكنت من إسقاط سردية إسرائيلية هيمنت على العالم لعقود طويلة، بانتظار العودة للنهوض من جديد.

[email protected]

14 مايو 2026
فرنسا والشراكة الإفريقية

ما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام قمة «إفريقيا إلى الأمام» حول انتهاء حقبة النفوذ الفرنسي في إفريقيا، وحماسه الكبير لإقامة علاقات جديدة، ربما يطوي صفحة استعمارية مليئة بالغطرسة والهيمنة والاستغلال، ويفتح صفحة أخرى قائمة على الشراكة الحقيقية مع القارة السمراء.

لسنا بصدد الحديث عن الحقبة الاستعمارية التي هيمنت فيها فرنسا على القارة الإفريقية لعقود طويلة، قبل أن يدخل منافسون آخرون أقوياء على خط استغلال ثروات ومقدرات شعوب تلك القارة، والتي لا يزال يتقاسمها هؤلاء، بعد تراجع النفوذ الفرنسي، لكن عودة فرنسا من الباب الواسع بحلة جديدة وبمضامين جديدة بعدما خرجت من الشباك بفعل الانقلابات العسكرية، وربما بفضل استفاقة شعوب تلك القارة التي باتت تدرك أهميتها وثقلها ووزنها في الساحة الدولية، إلى الحد الذي دفع الأمم المتحدة إلى المطالبة برفع الظلم التاريخي الواقع عليها وإعطائها المكانة التي تستحقها على قدم المساواة مع الأمم الأخرى.

يدافع ماكرون عن الانتقادات الموجهة للقوى الاستعمارية السابقة ومن ضمنها فرنسا، معتبراً أن «المفارقة هي أن الأوروبيين ليسوا مفترسي هذا القرن»، لكنه في نفس الوقت، يمد يده إلى القارة الإفريقية بلهجة تصالحية، مشيراً إلى أنه بادر إلى «إدانة الاستعمار بقوة» منذ 2017، سنة وصوله إلى السلطة، ويتابع بأنه يرى أن «أوروبا تدافع عن النظام الدولي، وعن تعددية الأطراف، وعن سيادة القانون، وعن تجارة حرة ومفتوحة»، في حين أن الولايات المتحدة والصين «تتصرفان بمنطق المواجهة التجارية» من دون احترام القواعد، وعلى هذه الخلفية، ربما أراد أن يؤكد حقيقة التغيير الذي حدث بالقول والفعل، إذ للمرة الأولى تعقد قمة فرنسية- إفريقية في كينيا الناطقة باللغة الإنجليزية بدلاً من قمم الدول الناطقة بالفرنسية «الفرنكفونية»، لكن الأهم هو ما حملته النظرة المغايرة للقارة والتي تشي بأن العهد السابق مضى وانتهى، حيث خاطب القمة بالقول « كان المسؤولون الفرنسيون يقولون للأفارقة: «إليكم ما هو جيد، سنساعدكم»، وأضاف أن «هذا لم يعد إطلاقاً ما تحتاج إليه إفريقيا ولا ما تريد أن تسمعه»، قبل أن يستدرك: «نحن أيضاً لم نعد نملك كامل الإمكانات»، في إشارة إلى تراجع المساعدات العامة للتنمية في فرنسا وفي سائر الدول الغربية التي تواجه أزمات في ماليتها العامة.

وفي النهاية يرى ماكرون أن «إفريقيا باتت تحقق النجاح»، و»هي تحتاج إلى الاستثمارات لا إلى المساعدات كي تصبح أكثر سيادة»، ولتأكيد جدية هذا التوجه، أعلن ماكرون جمع استثمارات في القارة بقيمة 23 مليار يورو، 14 مليار يورو منها من جهات مانحة فرنسية، والمبالغ المتبقية من مستثمرين أفارقة بهدف دفع عجلة التنمية.

فهل تستعيد فرنسا نفوذها في القارة نفوذها من بوابة الشراكة والمصالح المتبادلة عوضاً عن الغطرسة الاستعمارية؟ سؤال ستجيب عنه الأيام المقبلة دون شك.

[email protected]

11 مايو 2026
بريطانيا نحو التغيير

كشفت نتائج الانتخابات المحلية في بريطانيا عن تحولات عميقة داخل المجتمع البريطاني، وعن رغبته الجامحة في التغيير على نحو قد يعيد رسم الخريطة السياسية برمتها بعدما يئس البريطانيون من هيمنة النخب السياسية التقليدية وتناوب الحزبين الكبيرين، العمال والمحافظين، على إدارة البلاد طوال العقود الماضية.

وسواء أصرّ الزعيم العمالي كير ستارمر على البقاء في السلطة، كما يتمنى، أو أجبر على الاستقالة، كما يتوقع بعض المراقبين، جراء إمكانية تمرد أعضاء كثر في حزبه، فإن اجتياح حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج لمعظم معاقله التاريخية يمكن وصفه بـ «تسونامي» هز أركان قواعد، ليس العماليين وحدهم، وإنما المشهد السياسي البريطاني برمته.

ومن دون أدنى شك، فإن نتائج هذه الانتخابات التي أفقدت حزب العمال أكثر من ثلثي مقاعده من أصل 2200 مقعد، تمثل استفتاء سياسياً على قيادة ستارمر بعد أقل من عامين على قيادة حزبه للإطاحة بهيمنة المحافظين التي استمرت نحو 14 عاماً متواصلة. إذ يبدو أن ما حدث ينطوي على انقلاب شبه كامل في المشهد السياسي، حيث فقد حزب العمال سيطرته على برلمان ويلز للمرة الأولى منذ عام 1998 لصالح حزب «بلايد سيمرو» القومي اليساري، كما عزز الحزب الوطني الإسكتلندي المؤيد للاستقلال احتمال تشكيله الحكومة المقبلة. وبينما حقق حزب الخضر مكاسب مهمة تقدر بمئات المقاعد في المراكز الحضرية والجامعات، فإن حزب المحافظين بقيادة كيمي بادينوك لم يكن أفضل حالاً من منافسه المباشر (العمال) بعد فقدانه نحو 600 مقعد محلي لصالح حزب «الإصلاح» أو «يونيفورم» اليميني المتطرف الذي يتزعمه فاراج.

بهذا المعنى، ثمة شكوك كثيرة في أنه لو نجح ستارمر في البقاء في السلطة حتى الانتخابات التشريعة المقبلة عام 2029، فإنه لن يتمكن من تحقيق الفوز مرة أخرى، في ظل صعود قوى سياسية جديدة، أي أن السياسة البريطانية، كما يراها بعض المحللين، لم تعد تدور حول التنافس بين حزبي العمال والمحافظين كما كان عليه الحال لعقود طويلة.

ويرجع هؤلاء المحللين ذلك إلى عوامل عديدة، أبرزها تصاعد الغضب الشعبي من النخب السياسية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الحزبية، وعزوف الناخبين البريطانيين عن منح أصواتهم تلقائياً للعمال أو المحافظين، ودخول البلاد في حالة من التشظي الحزبي، بينما هم يبحثون عن بدائل مختلفة وإن كانت متطرفة، «لتحرير بريطانيا من حالتها المتدهورة»، على حد تعبير أحد الكتاب في صحيفة «تلغراف» البريطانية.

وفي حين يرى البعض أن صعود الأحزاب الجديدة يعكس حيوية ديمقراطية ورغبة شعبية في التغيير، يحذر آخرون من أن انهيار نظام الحزبين قد يجعل بريطانيا أكثر انقساماً وأقل قدرة على تشكيل حكومات مستقرة. وبالتالي يرى كثير من المحللين أن بريطانيا قد دخلت في مرحلة سياسية جديدة لم تتضح ملامحها الكاملة بعد.

7 مايو 2026
الضفة على حافة الانفجار

على الرغم من الهدوء الظاهري الذي يسود الضفة الغربية المحتلة، إلا أن هذا الهدوء يبدو خادعاً، بالنظر إلى التحذيرات التي يطلقها كبار المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، وبالنظر إلى العوامل الكامنة، وحالة الغليان الفلسطينية جراء اعتداءات المستوطنين المتصاعدة، والتي تشي بأن الضفة باتت على حافة الانفجار.

يستغرب قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، الجنرال آفي بلوط، من عدم اندلاع انتفاضة فلسطينية، حتى الآن، ويصف ذلك بأنه يشبه المعجزة، مشيراً إلى أنه حذّر نتنياهو من احتمال حدوث الانفجار في أيّ وقت رداً على عنف المستوطنين، ويرى أن الانتفاضة الفلسطينية باتت حتمية.

وكان رئيس جهاز «الموساد» الأسبق، تامير باردو، قد أدلى بتحذيرات مشابهة، وزاد عليها أنه يعرب عن خجله من إرهاب المستوطنين، وقيامهم بإحراق منازل الفلسطينيين وقراهم، والاستيلاء على أراضيهم ومزارعهم، وتهجيرهم من مناطق سكناهم، وصولاً إلى إطلاق النار عليهم وقتلهم من دون أية مساءلة. لكن قائد الجيش الإسرائيلي يميّز بين من يسمّيهم مستوطنين «شرعيين»، وآخرين متطرفين، وهم فئة قليلة، حسب رأيه، قبل أن يعترف بأن المجتمع الإسرائيلي، بأغلبيته الساحقة، بات أكثر يمينية وتطرّفاً. وفي الحالتين، فهو لا يقوم بمنع اعتداءات المستوطنين لأسباب اجتماعية، كما يسمّيها، بل على العكس يقوم بتوفير الحماية لهم، وحتى مشاركتهم بقمع أيّ ردود فعل فلسطينية انسجاماً مع تعليمات القيادة السياسية، ما يعني أنها عملياً أصبحت سياسة رسمية إسرائيلية.

هذا الواقع الذي لم يُعد خافياً على أحد، لم يأت صدفة، وإنما جاء بسبب سياسات الاحتلال، والكمّ الهائل من الإجراءات المتراكمة عبر التشريعات والأوامر العسكرية للاستيلاء على الأرض، وإفراغها من سكانها، وخلق كل الظروف المؤدية إلى زعزعة استقرار الفلسطينيين على أرضهم، ودفعهم إلى الهجرة. وقد أسندت هذه المهمة إلى المستوطنين كأداة تنفيذية جديدة، وبحماية جيش الاحتلال، بعد قيام الوزير المتطرف، بن غفير، بتسليح عشرات الآلاف منهم، لأسباب تتعلق بالمساءلة والقوانين الدولية، التي لم تأخذها إسرائيل يوماً على محمل الجد.

ما يحدث الآن هو استباحة كاملة للضفة الغربية، لا تخلو من استغلال انشغال المجتمع الدولي بالتوتر الناجم عن التصعيد الإقليمي الدائر في المنطقة. ولكن حتى قبل هذا التوتر، كان إرهاب المستوطنين يتصاعد، والوحش الاستيطاني يتمدّد بسرعة لابتلاع كل الضفة الغربية، وفرض الضم كأمر واقع، من دون أن يكون هناك ضرورة لإعلانه. ومع ذلك، لم يرتقِ ردّ الفعل الدولي الخجول والمتردّد حتى في فرض عقوبات على زعماء المستوطنين المتطرفين، ولا التحذيرات التي أطلقتها الأمم المتحدة عن «التطهير العرقي» أو قيام نظام «فصل عنصري» حقيقي في الضفة الغربية، إلى مستوى الحسم، أو إشهار موقف دولي رادع في وجه الغطرسة والتغول الاستيطاني الإسرائيلي. وبالتالي، لم يعُد الانفجار الشعبي الفلسطيني الكبير في الضفة الغربية مستغرباً، أو مستبعداً، بغضّ النظر عن التحذيرات الإسرائيلية.

[email protected]