«الشعبوية» والأزمات

00:17 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.إدريس لكريني

أصبح مصطلح «الشعبوية» يستعمل كثيراً في الأوساط السياسية والفكرية في الوقت الراهن للإشارة إلى اتجاهات فكرية وممارسات اجتماعية وخطابات ترتبط بتوجهات وتيّارات؛ في الأغلب تحيل إلى القدحية والديماغوجية. والواقع أنه بالعودة إلى القواميس العربية والدولية في هذا الشأن، نجد أن المصطلح يحيل إلى الشعب، وإلى الاتجاهات الفكرية التي تنحو إلى الواقعية في تناول قضايا المجتمع، والتوجه بصورة مباشرة ومبسطة بالخطاب إلى الجمهور، أو السعي لتعبئة المجتمع في مواجهة نظام سياسي قائم وطبقات سياسية ترفض التغيير، من خلال المراهنة على الزعيم البطل والمنقذ، كسبيل لتجاوز مختلف الإحباطات والهزائم.

وفي الأغلب، يرتبط ظهور هذه النزعات بأزمة مرحلية يفرزها التّحول السياسي للدول التي تشهد انتقالات سياسية، وقد اقترن المفهوم بالتحولات السياسية الكبرى التي شهدتها أمريكا اللاتينية منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي مع «بيرون» الذي حاول إقناع الطبقات الفقيرة بسياساته، ومع الزعيم الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز، والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ومع تطور تكنولوجيا الاتصال الحديثة، استطاعت هذه التيارات أن تبلور خطاباً تواصلياً جديداً تمكّنت من خلاله أن تنفذ إلى المجتمع، وتجاوزت به أزمة التواصل السياسي التي طبعت لعقود عدة؛ علاقة الأحزاب والنخب الحزبية التقليدية بالمجتمع.

وفي الأغلب، تقوم الشعبوية على رفض سلطة الأثرياء والشركات الكبرى والنخب؛ بل يرى البعض أن روادها يخاطبون عواطف الأفراد أكثر من عقولهم، بما يسهل التأثير فيهم، وتوجيههم. وقد استغلت هذه التيارات استياء فئات مجتمعية عريضة من الأوضاع السياسية والاجتماعية، ومن الأزمات الاقتصادية، وكذا من تراجع الثقة بالنخب التقليدية، وضعف أداء الأحزاب السياسية في عدد من الأقطار، للترويج لأفكارها.

وتسعى الاتجاهات الشعبوية إلى الحدّ من حضور النخب داخل المجتمع؛ حيث تُعد أن استئثارها بالسلطة في الأغلب يكون في غير مصلحة فئات أخرى واسعة داخل المجتمع، ولعل هذا ما يعطي خطاباتها التحريضية قدراً من القبول في أوساط بعض الفئات الفقيرة والمهمّشة، وغالباً ما تقدم هذه التيارات أجوبة مبسطة، وغير عقلانية، وعمومية، حول عدد من القضايا والإشكالات المعقدة، حيث لا تتوانى عن توظيف نظرية المؤامرة كسبيل لتفسير وتحليل عدد من الأزمات والأحداث ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل تصل خطاباتها أحياناً، إلى مستوى إطلاق الإشاعات وتضليل الرأي العام..

ويقوم الخطاب الشعبوي على حشد الجماهير، وإطلاق مجموعة من الشعارات والوعود الوردية، من خلال أشخاص يتقنون فن الخطابة والتأثير في الجماهير، وتعتبر هذه التيارات أن مخاطبة الشعب لا تقتضي بالضرورة توافر آليات مؤسساتية، أو قنوات وسيطة تقليدية كالأحزاب وهيئات المجتمع المدني.

وتتباين الرؤى تجاه هذه التيارات؛ بين من يرى فيها حركات احتجاجية ضد المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أو مجرد أصوات مرحلية، تظهر كلما حلّت الأزمات والكوارث بالمجتمعات، سواء تعلق الأمر منها بدول ديمقراطية، أو شمولية.

ولا يخلو أي مجتمع من وجود خطابات شعبوية؛ تقوم في مجملها على رفض العولمة، والتحولات الصناعية، والتكتلات الكبرى، وتوظيف المؤامرة في تفسير الكثير من القضايا والأزمات.

ويؤكد عدد من الباحثين أن الشعبوية تفرز مخاطر وانعكاسات تهدد الحاضر والمستقبل، بالنظر إلى تداعياتها على الممارسة الديمقراطية، وما يتصل بها من تشاركية ونقاشات عمومية، بتكريسها للرأي الأوحد، وتهميش وتغييب الكفاءات الحقيقية، فهي من هذا المنظور امتداد للتيارات الاستبدادية والمتمسكة برفض الآخر الذي غالباً ما تخوّنه.

وقد أظهرت الممارسة الميدانية أن الدول التي تستأثر فيها قيادات شعبوية برئاسة الدولة أو الحكومة، كما هو الشأن بالنسبة إلى الولايات المتحدة في عهد «دونالد ترامب»، وبريطانيا في عهد «بوريس جونسون»، والبرازيل بقيادة «جايير بولسونارو»، كانت أكثر تضرراً بتداعيات جائحة «كورونا»، سواء على مستوى الإصابات والوفيات، أو الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية، بسبب الاستهانة بخطر الوباء، وعدم اتخاذ ما يلزم من تدابير استعجالية في الوقت المناسب.

ففي عهد «ترامب» تنامى الخطاب الشعبوي، حيث وجّه الكثير من النقد إلى النخب السياسية القائمة بطريقة لا تخلو من ابتذال واستفزاز في بعض الأحيان، إضافة إلى التقليل من خطورة الوباء وعدم اتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة، واعتماد قرارات داخلية وخارجية مرتجلة أثارت الكثير من التساؤلات، ما أساء بشكل ملحوظ للمكانة الدولية لأمريكا ولديمقراطيتها.

وبقدر ما سمحت الجائحة بتصاعد الخطابات الشعبوية في بدايات ظهور الوباء، فإن تمدد هذا الأخير، وما خلفه من خسائر كبيرة في الأرواح والاقتصاد والمعاملات على المستويين الوطني والدولي، أعاد الاعتبار للبحث العلمي الذي لطالما حوّل الأزمات إلى فرص على امتداد التاريخ البشري.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/59w3rf78