بيروت: «الخليج»
من شعار رفعه العام الماضي «افتح كتاباً تفتح ذهناً» إلى شعار هذا العام «هنا.. لك كتاب»، يحقق معرض الشارقة الدولي للكتاب، أهدافه الحضارية والثقافية، ليؤكد أن الكتاب جناح الإنسان إلى المعرفة والابتكار والإبداع..

و«هنا.. لك كتاب» تجسَّد فعلاً وحقيقة في خلال أربعين سنة من انطلاق المعرض، تؤكد ذلك الأديبة والروائية اللبنانية رانيا محيو الخليلي، التي أمضت سنوات عديدة في الشارقة، وأنهت فيها دراستها في الأدب والفلسفة، وشاركت في المعرض بروايتها «عشر سنوات وليلة»، التي تمت ترجمتها إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وتشارك هذا العام بروايتها «الغروب الأخير»، تستعرض فيها الأوضاع اللبنانية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في ظل تفشي وباء «كورونا»، والفساد المستشري في المؤسسات العامة.

ومن خلال مشاركتها في المعرض سابقاً، ترى رانيا أن معرض الكتاب أشبه ما يكون هذا العام ب «كرنفال» عالمي للكتاب والإبداع والفن والمسرح، وورشة كتابة يشارك فيها مئات الكتَّاب والآلاف من دور النشر العربية والعالمية، وبما يجسّد أهداف المعرض وعنوانه الكبير «مجتمع واحد، وتعزيز ثقافة القراءة وإحياء التراث وتمكين الأطفال والشباب والتوعية المجتمعية وتطوير صناعة النشر».

وإذ هي تستعيد سنواتها الجميلة التي أمضتها في الشارقة، «حيث تعرفت إلى بيئتها الثقافية والحضارية المتنوعة، ومنها انطلق قلمي ليكتب الروايات، مستمدة من أجواء المدينة حضارة العالم وثقافاته المتعددة»، تتمنى العودة إليها، «وإلى مشاركات أخرى في المعرض العالمي، بكتابات تأخذني إلى العالم الأكبر، وبحيث يفرض الكتاب العربي حضوره وتأثيره في المجتمعات الغربية».

حب الكلمة

يختصر بسام شبارو، مدير عام «الدار العربية للعلوم ناشرون»، المعرض بالقول: «هو بوابة للمعرفة في حب الكلمة المكتوبة، وحيث يتشارك المبدعون والجمهور الشغف بالمعرفة والحوار والكتابة والقراءة»، ويضيف شبارو: «تمر الأيام وها نحن مجدداً في لقاء قريب مع المعرض الذي يعكس صورة زاهية عن واقع إمارة يعلي حاكمها راية العلم والثقافة، ويرى فيهما المدماك الأساسي للازدهار والنمو، وها نحن بعد معرضي عمان والرياض للكتاب ننتظر بفارغ الصبر، شأننا شأن سائر الناشرين، اللقاء في رحاب الشارقة ومعرضها.. ولا يمكننا إلا أن نذكر للتاريخ والحاضر أن الشارقة حملت في العام الماضي شعاراً ثقافياً أنار الظلام الثقافي الذي خيّم على العالم بسبب جائحة «كورونا»، وذلك عندما أخذ القيّمون على عاتقهم التحدي، فكانت فعاليات المعرض هي الأولى في المنطقة، وسيتجدّد هذا العام اللقاء الثقافي لتزدهر شارقة الثقافة ومنارة النشر، وسيكون ملتقى للناشرين والمؤلفين والزوار وضيوف المعرض في لقاء فكري كبير».

وينتهي شبارو ليؤكد: «المعرض، وبفضل جهود القيمين عليه، سيكون الرئة التي تتنفس عبرها كل المؤسسات الثقافية، وسيضخّ قلب هذه الإمارة الخيّرة دماء الحياة في شرايين صناعة النشر في الوطن العربي، وعلى عادتها ستكون الدار العربية للعلوم «ناشرون» و«ثقافة» للنشر والتوزيع حاضرتين، وستقدمان للزوار باقة من أحدث إصداراتهما».

اهتمام خاص بالأطفال

انطلاقاً من اهتمام المعرض بأدب الأطفال، اعتادت دار سامر المشاركة في المعرض منذ سنوات عدة. وحسب المديرة العامة للدار وفاء الحسيني، فإن إدارة المعرض تحرص هذا العام كما في الأربعين سنة الماضية على تقديم أنشطة متنوعة يقدمها ضيوف من حول العالم لتكوين مزيج متكامل من الورش في مختلف الحقول المعرفية والثقافية والترفيهية، التي تثري معارف الأطفال وتخرج طاقاتهم الكامنة. لذلك تحرّض مدارس وحضانات الشارقة على الحضور والمشاركة؛ لتمكين الأطفال من الحصول على فرصة ذهبية للتعلّم والتسلية في آن واحد».

ولفتت الحسيني إلى أن «الأطفال هم اليوم أكثر حاجة إلى وسائل متطورة تشدهم إلى القراءة والمطالعة، بعدما غزت التقنيات الحديثة عقولهم وأبعدتهم عن الكتاب»، و«تحقيقاً لذلك لا بد من ابتكار مناهج جديدة ووسائل متطورة، تعيد لهؤلاء الأطفال ومثلهم المراهقين شغف التلذّذ بالحروف المكتوبة، وبالتالي أرى في معارض الكتب التي تستضيفها الشارقة، أهم الوسائل المتوفرة حتى اليوم لخدمة الناشئة الجديدة، شرط أن تتوفر هذه الرغبة لدى آبائهم وأمهاتهم، وهذا ما نفتقده أيضاً في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعانيها المجتمعات العربية».

أمل يكبر

يرى الكاتب رجب الإسكندراني، مدير مكتب بيروت لدار نشر «وراقون»، في احتفالية المعرض، سنة بعد أخرى حتى بلوغه نضوجه الكبير في عامه الأربعين، أملاً كبيراً في إحياء الروح وتنشيط الحركة الثقافية في العالم العربي، إن لم يكن في جميع أنحاء العالم.

وقال: «مجرد الإعلان عن موعد وفعاليات المعرض المتعددة من حوارات وندوات ولقاءات وجوائز، وحضور مئات الآلاف من مختلف الجنسيات والحضارات، إنما يجسّد جسر تواصل بين الحضارات. وبهذا المعنى والتوجه يمكن اعتبار المعرض من أهم المعارض في الظروف الراهنة، خصوصاً أنه يستمر صعوداً، وأهمية هذا العام لبلوغه سن النضج وقمة العطاء، وأرى أنه في زحمة الكوارث الصحية والاقتصادية التي تعصف بالعالم، وخصوصاً على الساحات العربية في هذه الزحمة، إذا بكوة صغيرة تفتح لتبعث الأمل في نفوسنا، نحن معشر الناشرين الذين تضرّروا، كما سائر المهن الكتابية، بفعل جائحة «كورونا» أولاً، وتالياً بفعل الانهيار الاقتصادي والمعيشي في العديد من الدول العربية، ما جعل المواطن أسير لقمة عيشه، وهي اهتمامه الأول، ليأتي الكتاب والمطالعة فائضاً ثقافياً يعجز عن احتوائه والتعامل معه كما كان حال الثقافة في العالم».

يقول الناقد عبده وازن: «يبلغ المعرض هذه السنة عامه الأربعين، تلك الأعوام التي ليست بالقليلة زادته حضوراً وانفتاحاً، واحتلّ خلالها مرتبة الصدارة بين معارض الكتب العربية والعالمية أيضاً. هو الذي يعد الأعرق خليجياً. معرض يستحق فعلاً الصفة الدولية على خلاف معارض عربية أخرى لم تستطع أن تحقق هذه الصفة ولو أصرت على تبنيها. وقد أثبت المعرض صفته الدولية عن جدارة، أولاً في استضافته السنوية كبار الكتاب العالميين، ومنهم من فاز بنوبل وبجوائز عالمية شهيرة، وثانياً بتكريسه ظاهرة الضيف العالمي، وهذه السنة تحلّ إسبانيا ضيف شرف، مما يتيح للقراء والناشرين والكتاب العرب فرصة التعرف إلى آداب العالم والالتقاء بالمبدعين العالميين، وفرصة تعريف هؤلاء الأدباء بالأدب العربي الحديث. إضافة إلى مؤتمرات الناشرين الدوليين وسائر العاملين في قطاع النشر الحديث في كل توجهاته. ويجب الاعتراف بأن معرض الشارقة كان سباقاً في اعتماد الوسائل الرقمية الجديدة، واستخدام التقنيات الحديثة، ووضعها في خدمة الكتاب والقراء والناشرين».

ثورة حديثة

يقول عبده وازن: «أصبح معرض الشارقة للكتاب من حيث الحجم وعدد الدور المشاركة والكتب المعروضة من أكبر المعارض العربية والدولية. ولعل ما يحرره من طابع «السوق»، وأقصد «سوق» الكتاب حيث البيع والشراء شرطان رئيسيان، البرنامج الأدبي والثقافي الشامل الذي يرافق أيامه ولياليه. وقد تحوّل هذا المعرض إلى مناسبة سنوية يلتقي فيها المؤلفون والناشرون والقراء، يجمعهم همّ التواصل واللقاء. وإذا كان المعرض هذا إماراتياً بامتياز، فهو عربي بامتياز أيضاً، وعالمي. فالبرنامج الثقافي المرافق هو عربي وعالمي في معظمه، والمشاركون فيه ينتمون إلى بلدان عربية وعالمية عدة، إضافة إلى الإمارات. وما يجدر التوقف عنده أن هذا المعرض العريق استطاع أن يواكب الثورة الحديثة في عالم الكتاب التي أرساها النشر الإلكتروني، وقد احتضن في دوراته السابقة أهم المؤتمرات السنوية للنشر الإلكتروني».