السودان بين التاريخ والأمل

01:01 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

بعد ثورة الشعب السوداني ضد حكم عمر البشير، علّق السودانيون آمالهم على فتح صفحة جديدة، تمنحهم الأمل بمستقبل أفضل، من خلال نظام حكم جديد، يضع السودان على سكة تاريخ مختلف عن العقود الماضية، ويحلّ التناقضات الكثيرة الموجودة في الواقع، ومن أهمها التناقض غير المبرّر بين مقومات السودان الاقتصادية وبين واقع الحياة المعيشية للفرد. فقد عُرف السودان بأنه «سلة غذاء العالم»، بمساحة تقارب 2 مليون كيلو متر مربع، وتتمتع بأراضٍ زراعية خصبة، إضافة إلى وفرة المياه، ومع ذلك، فإن الواقع الاقتصادي والمعيشي السوداني هو من الأصعب في المنطقة العربية، حيث يصنف صندوق النقد الدولي السودان في فئة الدول منخفضة الدخل، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد سنوياً حوالي 720 دولاراً، أي أن معظم السودانيين يعيشون عند خط الفقر العالمي، المحدّد بـ 3.20 دولار.

مع استقلال السودان في عام 1958، بدأ الانقسام السوداني الأشهر بين القوى المدنية وبين المؤسسة العسكرية، فالحكومة المدنية الأولى لم تعمّر أكثر من بضعة أشهر، حيث قام الجيش بالاستيلاء على السلطة، بقيادة الفريق إبراهيم عبود، واعتبر هذا الانقلاب فاتحة الصراع المعاصر بين الأحزاب والتيارات السياسية وبين المؤسسة العسكرية، حيث إن تاريخ السودان السياسي في عقود ما بعد الاستقلال، هو تاريخ حكم المؤسسة العسكرية، يتخلله حكم مدني قصير، تحت ضغط الشارع والقوى السياسية والمدنية، كما أن تاريخ العمل السياسي نفسه كان حافلاً بإقصاء المعارضين السياسيين، ما جعل جزءاً من النشاط السياسي السوداني نشاطاً خارجياً في الكثير من الفترات.

حكم عمر البشير (1989-2019)، حاصر العمل السياسي الداخلي، ومنع نمو الحراك الاجتماعي الاقتصادي الطبيعي، كما عزل السودان عن الخارج، خصوصاً أن البشير كان مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية، بموجب مذكرة اعتقال صادرة بحقه في مارس/ آذار 2009، ما جعل العلاقات الإقليمية والدولية بالسودان شبه مقطوعة، وهو ما عنى من الناحية العملية تراجع معظم عمليات التبادل الفعّال بين الداخل والخارج، وتراجع عمليات التنمية، وتآكل الاقتصاد، بالإضافة إلى المشكلات الداخلية مع الأقاليم، والتي ما زال معظمها عالقاً حتى اليوم من دون حلول، وأضعف قدرة الدولة على احتكار السلاح، وأوجد قوى جهوية لديها قوى عسكرية مستقلة عن الجيش ومؤسساته وعقيدته.

ثلاث قضايا رئيسية فرضت نفسها على السودان منذ فجر الاستقلال، وهي قضية الجنوب، والدستور، والتنمية، ونتيجة للمعالجات الخاطئة، فقد انتهت القضية الأولى إلى انفصال جنوب السودان، وإنشاء دولة مستقلة، في عام 2011، وقد استمرت قضيتا الدستور والتنمية من دون حلول، ففي مسألة الدستور، وجدت على الدوام قضايا شائكة، مثل طبيعة الحكم وشكله، فوجود قوى جهوية متنافرة، جعل من قضية مركزية الحكم مسألة لا تحظى بالتوافق، وعلى الرغم من أن نظام الحكم في السودان في عهد عمر البشير، كان يتضمن ثلاثة مستويات للحكم، تضمن نوعاً من الاستقلالية للولايات، بموجب «اتفاقية السلام الشامل» في عام 2005، إلا أن هذا النظام، أوجد معه تداخلات ومشكلات كبيرة، فقد وجد بالأساس كحلّ توفيقي، نتيجة عدم قدرة الحكومة المركزية فرض سلطتها على كامل التراب الوطني.

جاء تشكيل الحكومة الانتقالية في سبتمبر/ أيلول 2019، مبنياً على الشراكة بين القوى المدنية، وخصوصاً «قوى إعلان الحرية والتغيير»، وبين الجيش، في محاولة لضمان توازن القوى بين النخب السودانية من جهة، ويمهد الطريق أمام مرحلة انتقالية تنتهي بحكم مدني كامل من جهة ثانية، لكن ما جرى مؤخراً، يؤكد أن التناقضات الموجودة بين النخبتين المدنية والعسكرية لم تجد سبيلها إلى الحل خلال العامين الماضيين، وأن إطار الحكومة الانتقالية كان هدنة، وليس اتفاقاً استراتيجياً لمعالجة أزمات ومشكلات السودان المستعصية، وهو ما سيفتح الباب أمام مرحلة غير مريحة على الصعد كافة.

هل يمتلك السودان ترف الانقسام الداخلي، وما يستتبعه من مظاهر وأثمان؟

آمال السودانيون بحياة أفضل بعد حكم البشير، كان معظمها مستمداً من التعويل على حدوث تحوّلات تسمح بإطلاق عجلة التنمية الداخلية، وفك عزلة السودان عن الخارج، والحصول على دعم المجتمع الدولي، بما ينعكس بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والمعيشية، وبناء اقتصاد منتج، يستثمر المقومات الكبيرة التي يمتلكها السودان، وبناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة.

السودان أمام مفترق طرق تاريخي، ووحدها العقلانية السياسية قد تشكّل طوق نجاة، فهل يتجاوز السودان أزمته الراهنة، ويعيد الأمل للسودانيين؟

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"