موجة الهجرة الثانية

00:46 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.خليل حسين*

بدأت جيوش الهجرة الجماعية غير الشرعية إلى أوروبا تظهر مجدداً، ويبدو أنها ستتوالى فصولاً لجهة الأحجام وطرق الوصول ووسائل التعامل معها، لا سيما وأن السوابق في هذا المجال أكدت المؤكد، لجهة الارتجال في التعاطي مع أشد المظاهر الدولية قسوة لجهة النتائج والتداعيات الكارثية، إن لجهة دول الاستقبال، أو للدول المصدرة.

الاتحاد الأوروبي عالج موجة الهجرة السابقة عبر تركيا، حيث قدم لها ما يزيد على ستة مليارات دولار لإدارة الأزمة في أراضيها، ورغم ذلك لم تتوقف موجات الهجرة، وسط غياب الحلول الجذرية لطبيعة المشكلة، والمفارقة أن موجات الهجرة كانت، ولا تزال تترافق مع أزمات في الكثير من الدول التي يستهدفها اللاجئون، أو التي تكون ممراً لبلدان أخرى مطلوب الاستيطان فيها.

فقد عانت تركيا هذه الأزمة بداية الأزمة السورية وسط سياسات تركية نشطة في الأزمتين العراقية، ومن ثم السورية. وفي وقت هدأ التدخل التركي نسبياً، انفجرت أزمة الموارد النفطية والغازية في البحر الأبيض المتوسط، وبالتحديد مع اليونان، حيث زجت مؤخراً بموجة مهاجرين شكلت إرباكاً قوياً للحكم، ومؤخراً شكلت عمليات الهجرة أزمة لبيلاروسيا، وبالتدقيق أيضاً تظهر مشاكل التجديد للرئيس البيلا الروسي، وأخيرا في هذا السياق، تقاذف المسؤوليات بين بيلاروسيا وبولندا على الحدود حيث آلاف المهاجرين، ولا استبعاد أيضاً لألمانيا في هذه الأزمة حيث يتم التفاوض معها لفتح ممرات إنسانية لبعض طالبي اللجوء وسط حراك سياسي داخلي ألماني على خلفية الانتخابات خلفاً لميركل.

وفي السياق العام، تبدو موجة الهجرة الحالية تتزامن مع ظروف أوروبية ليست مريحة لأنظمتها، بل ستزيدها أعباء وسط تراشق أوروبي ودولي حول المسؤوليات، وسبل الحل، ووسط غياب تام لاستراتيجيات ذات صدقية للحل، لا سيما وأن أزمة المهاجرين في مختلف مراحلها السابقة والحالية أيضاً تتطلب جهوداً دولية منسّقة وتحت رعاية الأمم المتحدة وآلياتها المعتمدة، خصوصاً لا قدرة لدولة محددة على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة والمتزايدة الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في غير منطقة من العالم، وبالتحديد دول القارة الإفريقية والشرق الأوسط.

وخلال هذا العام، وصل إلى إيطاليا فقط اثنا عشر ألف مهاجر عبر البحر، وهي علامة فارقة ذات دلالات لجهة دول الجذب، وما يمكن أن تتركه من آثار وتداعيات سلبية، عدا عن عشرات الآلاف غيرهم الذين وصلوا إلى دول أخرى، أو الذين يتحضرون لموجات أخرى، في وقت تتراكم الإثارات بشكل سريع ومتواصل، ما يستدعي حلولاً استثنائية وسريعة أيضاً.

لقد اتسمت الحلول الأوروبية لقضايا الهجرة، بالحلول الأمنية لجهة منع الوصول، أو الحد منها، في وقت يتطلب الأمر العمل على تشجيع من يفكرون في الهجرة على البقاء في مواطنهم، عبر مساعدة دولهم في سبل الاستقرار السياسي والاجتماعي وتقديم المساعدات حيث هم، بدل أن تتراكم ظروف الفرار من مواطنهم واللجوء إلى دول الأحلام الأوروبية.

ثمة أزمة كبيرة تتفاقم على الحدود البولندية البيلاروسية، قوامها آلاف اللاجئين العالقين بين الدولتين، وفي وقت تضبط يومياً عشرات القوارب المحملة باللاجئين وهم مشاريع أموات في البحر، هل ثمة من سينظر في هذه الموجة المستجدة التي ستتفاقم وستزداد أعدادها قريباً؟ سؤال جدّي قبل فوات الأوان.

* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"