عادي

روسيا والغرب .. من الحوار إلى الحرب

23:38 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب - بنيمين زرزور:
رفعت روسيا ودول الغرب درجة الخطر في الخلاف على أوكرانيا وتوابع أزمتها إلى اللون البرتقالي، وربما الأحمر، بعد فشل جولات التفاوض الثلاث، حتى أن الحديث عن سيناريوهات المواجهة وتوقيتها بات القاعدة ، بينما صار الحديث عن الحل الدبلوماسي هو الاستثناء.

في الوقت الذي تلقي الثقة المفقودة تاريخياً بين موسكو وواشنطن بثقلها السلبي على علاقاتهما نتيجة سلسلة من تجارب المخادعة والخذلان، بدأت مع الوعود التي قطعتها الولايات المتحدة ومعها «الناتو» للرئيس السوفييتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف، بعدم تقدم الحلف بوصة واحدة شرقاً، يأتي تعنّت الطرفين في الآونة الأخيرة، ليؤكد أن المصالح الاستراتيجية هي التي تحكم موقف كل طرف، في الوقت الذي يشعر كل منهما بأن ليس لديه حيز لمزيد من التنازل مهما كان الثمن.

ولعل هذا ما يفسر جنوح كل منهما للتلويح بالقوة. فقد قالت نائبة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند: إن إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، جهزت 18 احتمالاً للرد في حال أقدم الروس على غزو أوكرانيا. وأكدت أن واشنطن وحلفاءها جاهزون لإيلام الروس بشدة إذا اتخذت موسكو أي خطوة عدوانية.

سيناريوهات

ويُعلن بين الفينة والأخرى عن تحرك لهذا الطرف أو ذاك حيث تفسر تلك الإعلانات في إطار التحرك المسبق لإيجاد الذريعة في حال بدء الحرب أو في إطار التصعيد النفسي.

فقد زعمت المتحدثة باسم البيت الأبيض، جين بساكي، أن الولايات المتحدة تمكنت من تحديد توقيت «الغزو» الروسي لأوكرانيا الذي زعمت أنها سيكون بين منتصف يناير وأول فبراير، وربما تختلق موسكو الذريعة الضرورية لمثل هذا التحرك. وأعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إليزابيث تراس، أن روسيا تشنّ حملة تضليل لزعزعة الاستقرار وتبرير غزو أوكرانيا.

وتخشى الدول الغربية من أنه في حال بدأ الروس في الهجوم على أوكرانيا، فلن يكون وقف الحرب أو تحديد مسارها ممكناً، وقد تغير كل خرائط أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

إلا أن دعاة الحل الدبلوماسي لا يزالون يرون في هذا التصعيد الكلامي قي أغلبيته مجرد تسخين للمواقف يتبعه التوافق على استئناف الحوار مستشهدين بدعوة الرئيس الأوكراني، فلوديمير زيلينسكي، لاجتماع ثلاثي عن بُعد، يشارك فيه مع الرئيس الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين.

لكن الأساس في تشدّد روسيا لضمان أمنها، الذي تريده عبر وثيقة خطية رسمية واضحة، هو إنهاء أي فكرة أو محاولة أو قرار بشأن انضمام أوكرانيا إلى الناتو، ونزع فكرة توسعه شرقاً نهائياً.

أهمية أوكرانيا

لقد ورث بوتين وضعاً متناقضاً كلياً مع ما يؤمن به، فيما يخص الأمن القومي الروسي، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، ويسعى لاغتنام كل سانحة لتقويم ما يراه اعوجاجاً في منظومة الأمن القومي الروسي والأوروبي تستفيد منه واشنطن وحلفاؤها على وجه الخصوص.

وكان تحرك موسكو سريعاً لاستعادة الاستقرار في كازخستان أخيراً وسريعاً في الخروج منها، رغم ما تمثله من أهمية استراتيجية لروسيا في الشرق، إلا أن أوكرانيا أكثر أهمية لعدد من الأسباب، أهمها وقوعها بين روسيا والغرب الأوروبي، ومرور خطوط نقل الطاقة الروسية عبرها، ناهيك بالبؤرة الساخنة في إقليم دونباس وما تفرضه من تحديات عسكرية مباشرة في المرحلة الراهنة تحديداً.

ومن حيث الحسابات العسكرية والاستراتيجية، تبقى أوكرانيا نقطة الارتكاز والتحدي الأساسي بين حلف الناتو والروس. فهي موضع اهتمام واسع من الأمريكيين والأوروبيين، ويعملون المستحيل اليوم، لإدخالها ضمن منظومة حلف الناتو لتكون قاعدةَ انطلاق طبيعية لمواجهة روسيا، وللضغط المباشر عليها.

وحتى من الناحيتين الاقتصادية والجغرافية، تشكّل أوكرانيا واجهة روسيا الغربية والجنوبية الغربية الاقتصادية لجهة ما يؤمّنه لها البحر الأسود من ثروات وإمكانات تجارية وبحرية، قد تُضاعف ثرواتها الحالية من الغاز والنفط، ومن أرباح التجارة الدولية.

من هنا فإن طلب روسيا وقف نشر صواريخ حلف الناتو وإجراء المناورات العسكرية قرب الحدود الروسية، قد يسفر عن نتائج إيجابية، ومن غير المستبعد التوصل إلى اتفاق للحدّ من انتشار الصواريخ المتوسطة المدى، وقاذفات القنابل الأميركية، عند الحدود الروسية.

التهرب من الحوار

ومع إدراك الغرب وإقراره بفروق التطور في أنظمة الصواريخ بينه وبين روسيا، فإنه ما زال يتهرّب من الدخول في مناقشات جادة حول ضمانات الأمن التي تطالب بها، ويصر على حق دولة ذات سيادة، أي أوكرانيا، في اختيار تحالفاتها متذرعين بأنهم لا يمكن أن يخضعوا لإملاءات روسية تمسّ موقعها وسيادتها. والأهم من ذلك أنهم يرون أن الجاهزية العسكرية الروسية، عند حدود أوكرانيا، ورقة ضغط ضدهم للرضوخ في موضوع التزامهم عدمَ انضمام أوكرانيا إلى الحلف، ولن يرضخوا لهذه الضغوط الروسية.

ومما يزيد من مؤشرات القرار الروسي بشأن تحضير عمل ما تجاه اوكرانيا، ادعاءات وزارة الدفاع الأميركية بشأن نشر روسيا عناصر مدرَّبين على المتفجرات داخل أوكرانيا، من أجل تنفيذ عمليات تشكّل «ذريعة» لبدء الحرب ضد كييف، الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف قائلاً إن مثل هذه التصريحات «رخيصة» ولم تستند إلى أيّ دليل.

وتسهم التحالفات التي يرتبط بها كل طرف في تعقيد عملية اتخاذ القرار بالتهدئة أو الحرب، وسط خلافات ظاهرة خاصة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين الذين لا يزالون يترددون في التصعيد نحو موسكو وإن كانت مواقف بعضهم، خاصة ألمانيا، قد طرأ عليها تعديل ملموس.

على الطرف الآخر تسهم التحالفات في مزيد من التصلب في المواجهة خاصة التحالف الروسي الصيني، وسط تركيز واشنطن على حصار الصين وتحجيم دورها في منطقتي المحيط الهندي والهادي، بإنشاء تحالف الرباعية الأمنية و»أوكوس»، الأمر الذي اضطر الصين لتحرك مواز سواء مع موسكو أو مع إيران ودول الجوار.

وأيا كانت النيات المبيتة أو المعلنة لكل طرف، فلا شك أنه يدرك أبعاد الخوض في مواجهة عسكرية مباشرة وما يترتب على ذلك من دمار شامل في أحوال عالمية معقدة، تتركز فيها الجهود الدبلوماسية على مواجهة منسقة لما يعتري العالم من كوارث. إلا أن تطور الأوضاع إلى الحدّ الذي تصبح فيه الرجعة غير ممكنة، هو الذي يثير قلق الطرفين في حال خرجت الأمور عن السيطرة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"