وضع عباس محمود العقّاد «1889 - 1964»، سلسلة من العبقريات معروفة للقارئ العربي في ثلاثينات أو أربعينات القرن العشرين.. عبقرية محمد، عبقرية عمر، عبقرية الصديق، عبقرية عثمان، عبقرية الإمام علي، عبقرية خالد، عبقرية المسيح، وإلى جانب هؤلاء وضع العقّاد أيضاً كتباً حول شخصيات موازية في التاريخ الإسلامي: «معاوية في الميزان» على سبيل المثال، بل، كان العقّاد مشدوداً إلى شخصيات بعينها كما لو أنه يجد فيها صدى نفسياً بشكل خاص لنفسيته هو ذات الكاريزما الشخصية والثقافية والاجتماعية، فوضع كتباً عن غاندي، سعد زغلول، هتلر، وذهب العقّاد أيضاً إلى شخصيات أدبية مثل «أبو نُواس» و«أبو العلاء المعرّي».
عرف عن العقّاد في هذه الظاهرة من الكتب أنه لم يكن يضع سيرة ذاتية، وصفية تقريرية للشخصية التي يتناولها، بل، كان يبحث عن مفتاح أو مفاتيح هذه الشخصيات، ليقرأها من داخلها إن جاز الوصف، فيحوّل شخصيته «العبقرية» أو «العادية» إلى فضاء ثقافي، نفساني، ولهذا الفضاء تداعياته الفكرية الحرّة.
في مقدّمته لـِ «عبقرية عمر» يقول العقّاد بكل وضوح: «..كتابي هذا ليس بسيرة لعمر، ولا بتاريخ لعصره على نمط التواريخ التي تقصد بها الحوادث والأنباء، ولكنه وصف له، ودراسة لأطواره، ودلالة على خصائص عظمته، واستفادة من هذه الخصائص لعلم النفس، وعلم الأخلاق، وحقائق الحياة...».
بهذه المنهجية كتب العقّاد عبقرياته، فلم يكن معنياً بالظروف التاريخية الرسمية بل وربما حتى السياسية للشخصية التي يبحث عن مفتاحها، بل، كان «جوّالاً» في الروح وفي النفس وفي العقل، باعتبار هذه «الأقانيم» الثلاثة هي وحدها المؤدية إلى قراءة العبقرية.
إن «العبقرية» أو مفهوم «العبقرية» الذي دارت حوله قراءات العقّاد للتاريخ من بوّابة مفاتيح الشخصيات الإنسانية هي ليست عبقرية فردية أنانية ذاتية. ليست عبقرية الفرد المتفرّد، أو عبقرية الذات المتفوّقة، المنغلقة، بل، هي عبقرية الفكر، عبقرية أطوار الشخصية، وخصائص عظمتها كما جاء في مقدمة عبقرية عمر.
هل كان العقّاد يرمي إلى هدف آخر من وراء هذا البحث النفسي و«المفاتيحي» لرجال دين ودولة وتاريخ؟.. هل كان يرمي إلى إسقاطات معيّنة؟، وهل كان هو بذاته يحقق نوعاً من إشباع نفسي لديه يتصل بطبعه، وبطباع «العبقريات» التي تناولها، وبالطبع مع الاستثناء المؤكد لشخصيتين لا جدال فيهما: محمد صلى الله عليه وسلم، والمسيح عليه السلام.
الفترة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، وحتى الفنية في مصر والتي عاشها وظهرت فيها «عبقرية العقّاد»، أي أواخر القرن التاسع عشر، وحتى أواسط القرن العشرين هي فترة تحوّلات وانتقالات عميقة وحادة شهدتها مصر والعالم في تلك العقود: الحربان العالميتان، الاستعماريات الغربية، الاستقلاليات العربية، ظهور خطاب الحداثة الأولى، ثم انقلابات سياسية باتت مألوفة وبخاصة في مصر وسورية، ثم، انقلابات موازية في الأدب وبخاصة الشعر.
في تلك البيئة السياسية حتى النخاع، هرب عباس محمود العقّاد من متاهات واستحقاقات السياسة إلى البحث عن مفاتيح العبقريات الكبرى في التاريخ.
عبقريات العقّاد
7 أبريل 2022 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 أبريل 00:33 2022
شارك