د. سالم بن ارحمه الشويهي
إن من خصائص رمضان أنه تصفد فيه الشياطين، إلا أن هناك نفوساً شريرة قد تشربت الباطل وتأصل فيها الشر، واستمرأت الفساد وأسلمت للشيطان القياد، فلم تعرف لهذا الشهر حرمةً ولا فضلاً، ولم تقدر له مكانة ولا أجراً، ولم تعظم شعائر الله ولم ترج لله وقاراً! بل وصل الحال ببعضهم إلى أن صار أسبق من الشيطان إلى الشر، والإفساد، فصاروا أضر من متبوعهم، إبليس كما قال قائلهم وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي! فلو مات قبلي كنت أحسن بعده طرائق فسقٍ ليس يحسنها بعدي! روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئاً، قال ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرّقت بينه وبين امرأته، قال فيدنيه منه فيلتزمه، أي يضمه إلى نفسه ويعانقه، ويقول: نعم أنت».
فكيف بمن يهدم ليلاً ونهاراً لفتنة البشر «شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً»؟
وأحسن الشاعر حين قال:
حديثها كذب محض حقيقته مأخوذة من أباطيل الغرانيق
تباع في كل سوقٍ للضلال فلا تسأل عن التاجر الكذاب والسوق
وعن سماسرةٍ باعوا ضمائرهم وذوبوا العقل في نار الأباريق
تبدي خصالاً من الإيمان كاذبةً وفي مشاعرها إحساس زنديق
فمن يصفد عنا مردة شياطين الإنس؟ ومن منا من تفر منه شياطين الجن والإنس، كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر «إن الشيطان ليفرق منك يا عمر»؟
وقال صلى الله عليه وسلم: «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر».
ومن منا من يقهر شيطانه كما روي في المسند «إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر»؟ ومعنى لينضي شيطانه ليأخذ بناصيته، فيغلبه ويقهره، كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه. وفي رواية «ليضني» (أي يتعبه من كثرة الذكر والطاعة).
فلله الحمد أنه دحره فقال له: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً»، فاطلبوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات ربكم، فشهرنا شهر التقوى، موسم عظيم للمحاسبة، وميدان فسيح للمنافسة، فأقبلوا على الطاعة، وتزودوا من التقى، واستروحوا روائح الجنة، وتعرضوا للنفحات. فخيرنا من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله.
قال أبو حازم: «لوددت أن أحدكم يتقي على دينه كما يتقي على نعله».
فاللهم اجعلنا ممن قلت فيهم: «إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون».