عادي

صاحب الرسالة الأعظم يلاعب الصغار

22:36 مساء
قراءة 4 دقائق
1

لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً عظيماً مثل رسولنا الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يكن صاحب رسالة عظيمة وحسب، وإنما كانت سيرته ومسيرته التي امتدت نحو ثلاثة وستين عاماً، أنموذجاً فريداً لرسول عظيم، ونبيٍّ كريم، وقائد مُلهَم، وإنسان بلغ من الصدق والأمانة والرأفة والرحمة والتسامح مع الآخر مبلغاً لم يصل إليه أحد من العالمين، ولِمَ لا وقد قال الله في شأنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 4 5]

كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يحب الأطفال، ويحنو عليهم، ويلاعبهم، ويعلمهم، ويوصي بالاهتمام بهم وحسن رعايتهم، وهو ما ظهر جليّاً في حبه لسيديْ شباب أهل الجنة، الحسن والحسين، ابنيْ فاطمة الزهراء، وعليٍّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم جميعاً.

ومن شدة حبه، صلى الله عليه وسلم، للأطفال، أنه كان يهتم برعايتهم رعاية كاملة: صحية ونفسية ورياضية ودينية وتعليمية، فمن رعايته الصحية لهم، ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن السيدة عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله يُؤتى بالصبيان، فيُبَرِّك عليهم، ويُحنكُهم، ويدعو لهم.

وعن أنس قال: ذهبتُ بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله حين ولد، ورسول الله في عباءة يهنأ بعيراً له، فقال: هل معك تمر؟ فقلت: نعم، فناولته تمرات، فألقاهن في فِيهِ، فَلاكَهُن، ثم فَغَرَ فاهَ الصبي، فمَجَّه في فِيهِ، فجعل الصبي يتلمضه، فقال رسول الله: «حبُّ الأنصار التمر»، وسماه عبد الله.

وكان، صلى الله عليه وسلم، يدخل السرور والاطمئنان على نفوس الأطفال، بالسلام عليهم، ومسح رؤوسهم، فعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: أتى رسول الله على غلمان يلعبون، فسلَّمَ عليهم. وعن أنس قال: كان رسول الله يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح على رؤوسهم. وعن عبد الله بن جعفر، رضي الله عنهما، قال: مسح رسول الله بيده على رأسي، قال: أظنه ثلاثاً، فلما مسح، قال: «اللهم اخلف جعفراً في ولده».

وروى أبو داود، عن أنس رضي الله عنه، قال: انتهى إلينا رسول الله وأنا غلام في الغلمان، فسلَّم علينا، ثم أخذ بيدي، فأرسلني برسالة، وقعد في ظل جدار، أو قال: إلى جدار، حتى رجعت إليه. كما كان، صلى الله عليه وسلم، يلاعب الأطفال، ويلاطفهم، فعن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله يلاعب زينب بنت أم سلمة، ويقول: «يا زوينب، يا زوينب»، مراراً.

وأخرج البخاري في صحيحه، ما رواه الطبراني عن جابر، رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله فدعينا إلى الطعام، فإذا الحسين يلعب في الطريق مع صبيان فأسرع النبي أمام القوم ثم بسط يده فجعل (الغلام) يفر هاهنا وهناك، فيضاحكه رسول الله حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه، والأخرى بين رأسه وأذنيه، ثم اعتنقه وقبّله، ثم قال: «حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحبه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط».

 وعن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله أحسن الناس خُلُقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عُمير، وهو فطيم، كان إذا جاءنا صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا عُمير، ما فعل النُّغير؟ (النُّغير: طائر) وعن رحمته، صلى الله عليه وسلم، بالأطفال، والتي تظهر مدى حبه لهم، ما أخرجه البخاري، في صحيحه، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: دخلنا مع رسول الله على أبي سيف القَيْن (الحدَّاد)، وكان ظِئْراً لإبراهيم (أي: كانت زوجته مرضعة لإبراهيم ابن النبي)، فأخذ رسول الله إبراهيم فقبَّله وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». وفي رواية مسلم يقول أنس: والله ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله.

إن ما يدعو للعجب والتأمل معاً، أن رسول الله صاحب الرسالة العظمى، المشغول بإبلاغها، والدفاع عنها، ومحاربة أعدائها، وإعداد الجيوش للغزوات، يجد وقتاً لملاعبة الأطفال، وإدخال السرور على نفوسهم، بل وتحنيك حديثي الولادة! انظروا ماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم مع حفيدته أمامة بنت أبي العاص، لما ماتت أمها زينب، أشفق النبي عليها، وحنَّ لها، فكان يخرج بها أحياناً إلى المسجد، فيحملها وهو في الصلاة، فإذا سجد وضعها على الأرض، وإذا قام حملها على كتفه.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أَدْخُلُ في الصَّلاَةِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي، أي: أخفِّفها وأعجل فيها، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ»، وفي رواية: كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ على أُمِّهِ، وفي رواية أخرى: مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّه.

وفي مجتمع خرج لتوِّه من الجاهلية، وكان يئد الأنثى، ويعتبرها عاراً، يأتي محمد بن عبد الله فيقول، فيما رواه أنس بن مالك: «من عالَ جاريتينِ، دخلتُ أنا وَهوَ الجنَّةَ كَهاتين، وأشارَ بأصبُعَيْهِ. ويقول أيضاً: «من عالَ ابنتيْنِ، أو ثلاثَ بناتٍ، أو أختيْنِ، أو ثلاثَ أخواتٍ، حتى يَمُتْنَ - وفي رواية: يَبِنَّ، وفي أخرى يبلُغْنَ - أو يموتُ عنهن، كنتُ أنا وهوَ كهاتيْنِ، وأشار بإصبعيْهِ السبابةَ والوسطى».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"