فرنسا بين الانقسام والتعايش

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

نجح إيمانويل ماكرون في الفوز بولاية رئاسية ثانية بنسبة 59 في المئة من أصوات الفرنسيين، لكن مهمته تبدو شاقة وصعبة في الحفاظ على الأغلبية التي كان يتمتع بها في البرلمان السابق مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو/ حزيران المقبل، خصوصاً بعد تشكيل تحالف قوى اليسار ومساعي اليمين المتطرف لتوسيع قاعدته التمثيلية في الجمعية الوطنية.
 قبل نحو شهر من الانتخابات التشريعية يبدو المشهد الفرنسي مختلفاً عما كان عليه الحال في السابق، حين كانت المنافسة تنحصر بين الحزبين التقليديين «اليمين الجمهوري» أو «الديغولي»، و«الاشتراكي»، واللذين باتا يكافحان من أجل عدم الاختفاء من الساحة السياسية، فيما انجلى المشهد الذي أسفرت عنه الانتخابات الرئاسية في إبريل/ نيسان الماضي، عن ثلاث كتل فرنسية كبيرة متنافسه، تتقدمها كتلة حزب ماكرون «الجمهورية إلى الأمام»، الذي غير اسمه إلى «النهضة»، وكتلة اليمين المتطرف (الجبهة الوطنية) بزعامة مارين لوبان، وكتلة اليسار بزعامة جان لوك ميلينشون الذي حل في المرتبة الثالثة بفارق ضئيل عن لوبان. هذه الكتل الثلاث هي التعبير الأبرز عن انقسام المجتمع الفرنسي، والذي بات يضفي مزيداً من الغموض على المشهد السياسي ويفرض تحديات جديدة على ماكرون، الذي يسعى للفوز بأغلبية مريحة في البرلمان كما كان عليه الحال في السابق. 
 لكن هذه المهمة لن تكون سهلة، بعد اتحاد قوى اليسار في ائتلاف تاريخي بين الأحزاب، الاشتراكي والخضر والشيوعي وحركة «فرنسا الأبية» التي يقودها ميلينشون، والذي لا يخفي هدفه الرئيسي الآن في فرض «التعايش» على ماكرون عبر نظام برأسين، بعد إسناد رئاسة الحكومة إلى شخصية من تحالف اليسار. 
 وعلى الضفة الأخرى، وإن كان الوضع لا يزال ضبابياً، بعد رفض لوبان العودة للاتحاد مع من تعتبرهم «خونة» في حزب «الاسترداد» اليميني المتطرف والمنشق بزعامة اريك زامور، إلا أن حزب لوبان يسعى للاستفادة من زخم ازدياد شعبيته وحلوله ثانياً في الانتخابات الرئاسية، في توسيع قاعدته التمثيلية في البرلمان وتشكيل كتلة وازنة لا تقل عن خمسين نائباً، وربما يستفيد من الانشقاقات الحاصلة داخل «اليمين الجمهوري»، من دون الاتحاد مع أحد انطلاقاً من مفهومه الذي يتجاوز اليمين واليسار ويريد «اتحاد الوطنيين» في فرنسا.
 بهذا المعنى، فإن التحدي الآخر الذي يواجهه ماكرون، هو رئاسة الحكومة التي تنتهي ولايتها مع انتهاء الولاية الأولى لماكرون عند منتصف ليل 13 مايو/ أيار الحالي، وما إذا كان سيسند رئاستها إلى امرأة، كما يتردد كثيراً في الآونة الأخيرة، تعمل على توحيد الصفوف في هذه المرحلة الحساسة، أو إسناد المنصب إلى شخصية من التكنوقراط، وفي الحالتين تتردد أسماء كثيرة، لكن ذلك كله يبقى خاضعاً للنتائج التي ستفرزها الانتخابات التشريعية، وما إذا كان تحالف اليسار قادراً على تشكيل كتلة معارضة قوية تفرض على ماكرون اختيار رئيس وزراء معارض مع نهج مختلف، وبالتالي التعايش مع نظام برأسين، فضلاً عن معارضة اليمين التي قد تتسع دائرة تمثيلها وتصعّب مهمة ماكرون أكثر في المرحلة المقبلة.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"