«الناتو» يغامر شمالاً

00:23 صباحا
قراءة دقيقتين

يونس السيد

أثارت خطوة انضمام فنلندا والسويد إلى حلف «الناتو» غضب روسيا، التي أطلقت الكثير من التحذيرات والتهديدات، في البداية، لكنها سرعان ما سيطرت على غضبها، وآثرت العودة إلى التعامل مع المسألة بشيء من الهدوء والحكمة، مع الاحتفاظ بخياراتها في الرد، معتبرة أن القرار «خطأ» ويضر بالأمن الأوروبي بدلاً من تحسينه.

 السؤال الجوهري، قبل الحديث عن الأسباب والمسببات والتداعيات المترتبة على ذلك، هو، هل كانت فنلندا والسويد اللتان حافظتا على حيادهما لعقود طويلة بما في ذلك مرحلة الحرب الباردة، بحاجة إلى الانضمام ل «الناتو» لحماية أمنهما، كما تدعيان، وهل كان أمنهما مهدداً فعلاً من قبل روسيا، حيث يرى البعض أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أثارت مخاوف الدول المجاورة من استهداف روسيا لها في المرحلة التالية. ربما تكون للحرب في أوكرانيا علاقة بالأمر، ولكن ليس للأسباب التي يروجها الغرب، الذي يسعى لاستغلال المسألة الأوكرانية لتحقيق أهداف استراتيجية ربما يرى أن الفرصة أصبحت سانحة لتحقيقها. 

 فالحرب الأوكرانية اندلعت أساساً لوقف توسع «الناتو» ومنع انضمام أوكرانيا إلى الحلف حيث سيصبح جنوده على أعتاب موسكو، وبالتالي فإن توسع «الناتو» شمالاً بانضمام فنلندا والسويد يطيح بالأهداف الروسية في وقف تمدد الحلف في الفضاء الروسي. كما يدخل في إطار مواصلة الضغوط على موسكو وتشتيت تركيزها في إنهاء عمليتها العسكرية في أوكرانيا. هذا أولاً، وثانياً وربما يكون الأهم فتح طريق بحر الشمال نحو السيطرة على القطب الشمالي وإزاحة روسيا التي تهيمن على المنطقة جانباً، وهذا هدف استراتيجي لحلف «الناتو»، إذ إن وجود قواعد ل «الناتو» في هاتين الدولتين، سيضعف قبضة روسيا على القطب الشمالي ويشكل تهديداً مباشراً للأراضي الروسية وربما يؤدي إلى حصار الأسطول الروسي في بحر البلطيق، الذي تتصاعد نغمة الحديث عن تحويله إلى بحر داخلي لحلف «الناتو».

 من هنا يمكن تفسير مسارعة السويد إلى تعزيز قواتها في جزيرة غوتلاند الاستراتيجية في بحر البلطيق، حيث يشير الخبراء العسكريون إلى أن السيطرة على هذه الجزيرة تعتبر عملياً سيطرة على التحركات الجوية والبحرية في المنطقة. وهو أمر لن يشكل استفزازاً عملياً لروسيا فحسب، وإنما قد يجلب مخاطر اندلاع حرب حقيقية في تلك المنطفة. وبالتالي فإن روسيا قد تجد نفسها مرغمة على التخلي عن هدوئها وتحفظاتها إزاء التصعيد الغربي على حدودها وفي مناطق مجالها الحيوي، والرد بقوة على كل هذه التحركات، ليس فقط عن طريق زيادة قواتها العسكرية في المناطق المحاذية لفنلندا والسويد، أو حتى نشر أسلحة نووية في تلك المناطق، وهو أمر يبدو أنه قد أصبح حتمياً، وإنما الذهاب ربما إلى أبعد من ذلك. فالدبابات الروسية قادرة على الوصول إلى ضواحي ريغا خلال ساعات قليلة، وعندها سيكون الصراع المفتوح بين روسيا والغرب في موضع الاختبار المصيري.

 وبالعودة إلى السؤال حول صوابية انضمام فنلندا والسويد للحلف، يمكن القول إنه لن يقوي أوروبا، بقدر ما يجعل منها ضحية للرغبات الأمريكية.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"