جيفري فرانكل *

مع احتمال استمرار التضخم العالمي المرتفع لبعض الوقت، فإن سيناريوهات ارتفاع أسعار الصرف التنافسية تلوح في الأفق بشكل أكبر. وبدلاً من السباق نحو القاع في سوق العملات، قد يكون هناك تدافع نحو القمة، ومن المرجح أن تعاني البلدان الأكثر فقراً أكثر من غيرها.
ارتفع الدولار الأمريكي بنسبة 12% مقابل اليورو خلال العام الماضي، وإذا بدت أسعار النفط والسلع الأخرى مرتفعة الآن بالدولار، فإنها تبدو أعلى باليورو. ومع ارتفاع العملة الأمريكية، وجموح التضخم في العديد من البلدان حالياً عند أعلى مستوياته منذ عقود، سوف ندخل ربما في ما يسمى «حروب العملة العكسية»، حيث تتنافس البلدان لتعزيز قيم العملات الأجنبية لعملاتها.
كان مصطلح «حروب العملات» في الأصل وصفاً لما أطلق عليه الاقتصاديون الدوليون منذ فترة طويلة «التقييمات التنافسية»، أو «الانخفاضات التنافسية» بعد أن بدأت أسعار الصرف في التعويم أوائل السبعينات. وهنا تشعر البلدان بالحزن لأن شركاءها التجاريين يتعمدون اتباع سياسات لإضعاف عملاتهم من أجل الحصول على ميزة غير عادلة في التجارة الدولية. والانخفاض التنافسي في القيمة يمكن أن ينشأ عادة عندما تدخل أهداف الاقتصاد الكلي الرئيسية للبلدان، بالإضافة إلى تعظيم نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات الوظائف، في تحسين الموازين التجارية. وهو ما يصف بشكل عام حالة الاقتصاد العالمي في العقود القليلة الماضية.
من ناحية أخرى، فإن حرب العملة العكسية تنطوي على تقدير تنافسي. وتعتقد البلدان أن شركاءها التجاريين يحاولون عمداً تعزيز عملاتهم من أجل كبح جماح التضخم. ويمكن أن يصف هذا الفترة التي بدأت في عام 2021، عندما عاد التضخم ليرسم مشكلة خطيرة في معظم الدول.
في كلتا الحالتين، سواء «التقييمات التنافسية» أم «الانخفاضات التنافسية»، من المستحيل على جميع البلدان اتباع مثل هذه الاستراتيجيات، لأنها لا تستطيع جميعاً تحريك أسعار الصرف في اتجاه واحد وفي نفس الوقت. وغالباً ما يُنظر إلى كل من «الانخفاض التنافسي» و«التقييم التنافسي» لقيمة العملة كدليل على الافتقار إلى التعاون الدولي لتحقيق استقرار سعر الصرف، ويؤديان أحياناً إلى دعوات لعقد اتفاقية «بريتون وودز» جديدة لتعزيز التنسيق أكثر بين السياسات النقدية والعلاقات التجارية والمالية للدول.
غالباً ما تزعم الولايات المتحدة بأن عملات الدول الأخرى مقوّمة بأقل من قيمتها الحقيقية بشكل غير عادل. ومنذ عام 1988، طلب الكونجرس من وزارة الخزانة تقديم تقارير نصف سنوية حول ما إذا كان شركاء أمريكا التجاريون الرئيسيون يتلاعبون بعملاتهم. والصين وبعض الدول الآسيوية الأخرى هي الأهداف الأكثر شيوعاً. لكن سويسرا أيضاً تُعد موضع شك، على الرغم من أن الفرنك السويسري يُعد أغلى عملة رئيسية وفقاً لمعايير أخرى.
تمت صياغة عبارة «حرب العملات» في عام 2010 من قبل القادة البرازيليين احتجاجاً على السياسات النقدية للولايات المتحدة واليابان ودول أخرى. ولم يتهموا بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك اليابان بتخفيض قيمة الدولار أو الين بشكل صريح، أو بالتدخل في سوق الصرف الأجنبي لخفض هذه العملات، بل اتهموهم بتبني سياسات نقدية مفرطة في التساهل. وقال آخرون إن صناع السياسة في الولايات المتحدة واليابان خفّضوا أسعار الفائدة إلى الصفر، ثم ذهبوا إلى أبعد من ذلك من خلال تقديم التيسير الكمي بنية متعمدة لخفض قيمة عملات بلدانهم، وتعزيز صافي الصادرات، وتصدير البطالة إلى شركائهم التجاريين.
وبالمثل، لا أحد اليوم يتهم السلطات الأمريكية باستخدام العملات الأجنبية لرفع قيمة الدولار. والشكوى هي بالأحرى أن الزيادات الحالية في أسعار الفائدة الفيدرالية تجذب تدفقات رأس المال إلى الولايات المتحدة وتقوي العملة الأمريكية، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة دولياً وبالتالي إبقاء النمو العالمي دون المستوى الذي يمكن أن يكون عليه.
في ثلاثينات القرن الماضي، كنا أمام سابقة تاريخية جسدت المخاوف من «الانخفاض التنافسي» لقيمة العملة، عندما خفضت القوى العظمى عملاتها مقابل الذهب، وبالتالي ضد بعضها. فهل هناك سابقة ل«التقييم أو التقدير التنافسي»؟
جادل البعض بأن أوائل الثمانينات قدمت مثل هذا المثال، عندما رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي بقيادة بول فولكر أسعار الفائدة بحدة لمحاربة التضخم، وكان يعلم أن ارتفاع الدولار سوف يساعده في هذه المهمة. لكن الانخفاض المقابل لعملات الشركاء التجاريين للولايات المتحدة أدى إلى تفاقم معدلات التضخم وأجبرهم على رفع أسعار الفائدة أيضاً.
ولكن ليست كل المخاوف من ارتفاع الأسعار التنافسية مبررة أو تستحق إصلاح نظام العملة الدولي. فعلى عكس معظم البنوك المركزية، أبقى بنك اليابان سياسته النقدية فضفاضة للغاية خلال العام الماضي، في استمرار لحملته الطويلة لزيادة النمو والتضخم. لذلك، بينما يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في محاولة كبح جماح الأسعار في الولايات المتحدة، لا تزال المعدلات اليابانية عند الصفر أو أقل منه. وكما كان متوقعاً، تسبب فارق أسعار الفائدة الآخذ في الاتساع في انخفاض قيمة الين بنحو 15% مقابل الدولار خلال العام الماضي.
اليوم، الضحايا الأكثر ترجيحاً لارتفاع الدولار ليس الدول الغنية، بل الاقتصادات الناشئة والنامية. والعديد منها غارق بالديون المقومة بالدولار، والتي تفاقمت أكثر بسبب الإنفاق المالي المطلوب لمكافحة جائحة كورونا. فعندما يرتفع سعر الدولار، تزداد تكاليف خدمة الدين بالعملة المحلية. ويمكن أن يؤدي الجمع بين ارتفاع أسعار الفائدة العالمية والدولار الأقوى إلى أزمات ديون، كما حدث في المكسيك في عامي 1982 و1994.
* أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، وباحث مشارك في المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية. «بروجيكت سنديكيت»