عادي

الخبير جلَّ جلاله

21:46 مساء
قراءة 3 دقائق
رغيد
رغيد جطل

رغيد جطل
حينما يحدثك أحدهم عن علمه بصنعة شيء ما أو بقدرته على إيجاد شيء ما، فهذا قد يصح أن يُطلق عليه لقب عالم، أما إن كان يعلم باطن الشيء وظاهره وأدق وصف فيه، فهذا يُسمى لغة «الخبير»؛ فالخبير لغة هو العالم بالشيء بأدق تفاصيله، وهو على وزن فعيل، فهو بناء على هذا أوسع وأشمل في المعنى من العليم.
ولو تكلمنا في الميزان البشري، فهناك خبراء في مجالات شتى، لكن هذه الخبرة تنحصر في أمر أو أمرين على أكثر تقدير، فالخبير بالاقتصاد ربما لا يحيط علماً بالفلك مثلاً، وكذا الخبير باللغة واللسانيات قد لا تساعده خبرته في حل المسائل الرياضية، فالخبير إذا أُطلق على البشر فهو إطلاق مجازي؛ إذ المعنى الحقيقي للخبير هو لله العالم بالخفايا والنوايا، والذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والذي سن القوانين وفق ما ينفع البشرية، ويدرأ عنها الشرور والمكاره، وقال الغزالي في معنى الخبير: هو بمعنى العليم، لكن العليم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سُمي خبرة، وسمي صاحبها خبيراً.
قد يصدر عن أحدنا فعل ما قد ينتبه إليه الآخرون وقد لا ينتبهون إليه، لكن هناك من لا تخفى عليه خافية «وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ». الملك: 13ـ14؛ لذا يدعو عباده ـ لرحمته بهم ـ بأن يلتزموا جانب التقوى في كل ما يصدر عنهم، فهو مطلع على أحوالهم ونواياهم «وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ». الحشر: 18. وهذا في مناحي الحياة كافة؛ فمن استرق النظر إلى ما حرم الله أو من أخذ ما ليس حقه أو من فعل أمراً في غفلة من الناس، فإن الخبير، جلَّ جلاله، مطلع عليه فليتقه، وليحذر ساعة الوقوف بين يديه، والخبير كثيراً ما يقترن بكتاب الله بأسماء الله الحسنى اللطيف والحكيم والعليم، «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ». الأنعام:18، «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ». الأنعام:103، «فلما نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ». التحريم:3. وكأن في ذلك إشارة من الله إلى رحمته بنا، فهو، جلَّ شأنه، على الرغم من اطلاعه على خبايا نفوسنا، وما نسر وما نعلن، فإنه يتلطف بنا، فيعاملنا بمقتضى حكمته ورحمته، وعلمه بضعفنا، فلا يكشف سترنا، ولا يفضح أمام الخلق أمرنا، والخبير أعلم بما يصلح لنا؛ لذا المسلم حينما يدرك معنى اسم الله الخبير، فإنه يراقب الله في سكناته وحركاته، وتكون حاله في خلواته كحاله أمام الناس، فلا يكون ممن إذا خلا بمحارم الله انتهكها، كما أن العبد حينما يعقل اسم الخبير فإنه ينقاد لأوامر الله فلا يحيد عنها، لأن من مقتضى الإيمان والإسلام أن ينقاد العبد بكليته لله ويفوض الأمر إليه ومتى ما وفض الأمر لمولاه حقق له أمانيه فيعقوب عليه السلام حينما قال «قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ». يوسف: 13 غاب عنه يوسف ولما شكا بثه وحزنه إلى الله «قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ». يوسف: 86، حقق له مراده وأعاد له فلذة كبده.
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"