البنوك المركزية يجب ألا تخجل من إضعاف الاقتصاد

21:43 مساء
قراءة 3 دقائق

محمد الأحمد*

واحدة من مهام البنوك المركزية جميعها دون استثناء إدارة النمو الاقتصادي والتضخّم بما يتناسب مع أهدافها. وتستخدم البنوك المركزية عدّة أدوات نقدية لديها من أجل تحقيق ذلك، منها الأداة الكلاسيكية «أسعار الفائدة» أو الأدوات غير الاعتيادية مثل «التيسير النقدي» بأنواعه المختلفة. وبدأت عديدٌ من البنوك المركزية حول العالم رفع الفائدة وتقليص برامج التيسير النقدي منذ شهر ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي 2021، وكان بنك إنجلترا المركزي الأوّل ضمن بنوك الدول العظمى، الذي توجّه لإجراء رفع بالفائدة.
رفع بنك إنجلترا المركزي الفائدة من 0.1% إلى 1.25%، والفيدرالي الأمريكي قام برفع الفائدة من نطاق 0.00%-0.25% إلى 1.50%-1.75%، كما قام الاحتياطي الأسترالي برفع الفائدة من مستويات 0.1% إلى 0.85%، وأيضاً توجّه الاحتياطي النيوزلندي لرفع الفائدة من 0.25% إلى 2.00%. حتى البنك الوطني السويسري الذي لم يكن من المتوقّع أن يرفع الفائدة، فقد قام برفعها من -0.75% إلى -0.25% بشكل مفاجئ وبواقع 50 نقطة أساس دفعة واحدة.
الشهر المقبل، سيقدّم البنك المركزي الأوروبي أوّل رفع للفائدة منذ شهر إبريل/ نيسان عام 2012، تشير التوقّعات لاحتمال رفع الفائدة ب25 نقطة أساس من المستوى الحالي الصفري 0.00% إلى 0.25%، مع احتمال مزيد من الرفع بالفائدة في شهر سبتمبر/ أيلول المقبل 2022 بحسب تصريحات سابقة لرئيسة البنك المركزي الأوروبي «كريستين لاجارد».
وتواجه البنوك المركزية تحديات ارتفاع معدّلات التضخّم؛ حيث وصل التضخّم في الولايات المتحدّة وبريطانيا وكذلك منطقة اليورو لأعلى مستوى له منذ أكثر من 40 عاماً. حتى في سويسرا واليابان، فقد ارتفع التضخّم إلى أعلى مستويات له منذ أكتوبر/ تشرين الأول عام 2014 لليابان وسبتمبر 2008 في سويسرا.
رفع الفائدة هو العلاج الكلاسيكي للبنوك المركزية لعلاج معضلة ارتفاع التضخّم، لكن في المقابل، قد يتسبّب رفع الفائدة في تباطؤ الاقتصاد. لكن، إذا كان على البنوك المركزية الآن الاختيار، فقد يكون علاج التضخّم أهم كثيراً مما قد يحصل لو تركته يبقى مرتفعاً في سبيل جعل الاقتصاد العالمي يستمر بالركود.
«سيكون بعض الألم حتميّاً»، هذا ما قاله بنك التسويات الدولية في تقريره السنوي، مضيفاً بأن التضخّم إذا ترسّخ فستفوق آثاره السلبية آثار الركود. وضمن التقرير أيضاً، قال البنك بأنه «لا ينبغي للبنوك المركزية أن تخجل من إلحاق آلام قصيرة الأجل أو حتى حالات ركود لمنع وصول عالم يتّسم باستمرار التضخّم المرتفع».
رفع الفائدة السريع زاد احتمالات وقوع اقتصاديات عظمى في الركود، وهذا ما لم ينكره رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي «جيروم باول» في شهادته أمام مجلس الكونجرس الأسبوع الماضي، مؤكّداً التزام البنك في هدف خفض معدّلات التضخّم.
لا شك في أن صانعي القرار في البنوك المركزية يعلمون مدى خطورة مستويات التضخّم الحالية التي ارتفعت، فذكريات ثمانينات القرن الماضي محفورة في كتب التاريخ، وتظهر كيف كان من الصعب جداً إخراج الاقتصاد من الركود التضخّمي آنذاك، وكانت التضحيات الاقتصادية حينها هائلة، وللحيلولة دون وقوع الاقتصاد العالمي في ركود تضخمّي، قد يكون على البنوك المركزية إضعاف الاقتصاد.
الاقتصاد العالمي الآن في ركود! نعم بالفعل، الاقتصاد في ركود بحسب تعريف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وليس بحسب التعريف الكلاسيكي للركود على أنه انكماش في الناتج المحلي الإجمالي لستّة أشهر. فيعرّف صندوق النقد والبنك الدولي الركود على أنه «العام الذي يتعرض فيه الفرد على مستوى العالم لانخفاض في دخله الحقيقي»، وهو ما استخدم لوصف ما حدث في أعوام 1975، و1982، و1991، و2009، و2020.
النتيجة الحتمية لإضعاف النمو الاقتصادي بشكل مدروس هي انخفاض معدّل التضخّم، فطالما رافق الركود الاقتصادي وكذلك التباطؤ الاقتصادي انخفاضٌ في معدّلات التضخّم، فالركود والتباطؤ الاقتصادي يصاحبهما عادات استهلاكية أكثر عقلانية مما نشهده في حالات الرواج الاقتصادي، فالمستهلكون يتوجّهون للأساسيّات ويقلّصون الإنفاق ويزيدون الادخار في حالات الركود والتباطؤ، مما يسهّل انخفاض معدّلات التضخّم.
دخول الاقتصاد العالمي في ركود أو تباطؤ اقتصادي يعتبر أمراً سيئاً، لكن قد يكون خياراً لتجنّب الأسوأ. لو وقع الاقتصاد العالمي في ركود تضخّمي كما حصل في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، سيكون من الصعب جداً إعادة التوازن للاقتصاد، وقد يأخذ علاج هذه الحالة بشكل تام سنوات من الزمن. لكن، علاج الركود الاقتصادي قد يكون أكثر سهولة، فالتاريخ يشير إلى أن فترات الركود الاقتصادي يتبعها عودة النمو التدريجي المنتظم.
قد نشهد ارتفاعاً «طفيفاً» في معدّلات البطالة، كما قد نلاحظ انخفاضاً في الدخل، كما أن الائتمان ربما سينخفض. لكن، ألا يذكّرنا ذلك بالآثار الجانبية لدواء أحد الأمراض؟! فهذه الآثار الجانبية «المؤقّتّة» قد تعني بأن العالم سيتجنّب الأسوأ، وهو الوقوع بركود تضخّمي.
* مؤسس «مجموعة إكويتي» والعضو المنتدب فيها في الشرق الأوسط وإفريقيا

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"