ما رأيك في الإنتاج الفنّي العربي، في طريقة تناوله تاريخنا، وقائع وشخصيات؟ ألا يبدو لك كأنه آلة ماسحة ناسخة، ما لها في الذهن آثار راسخة؟ أحياناً يكون العمل استنساخاً للروايات التاريخية، وهذا يجعل عمر الإنتاج قصيراً. ذلك يُفرغ مفهوم إحياء التراث من محتواه، ويجرّده من الأبعاد التي يطمح إليها أمل الإبداع. صورة الظاهر هذه المرّة أهمّ من صورة الباطن. يجب أن نأخذ الإحياء من معناه اللغوي حرفيّاً: أي البعث كأنه خلق جديد. حين نبعث المعرّي مثلاً في القرن الحادي والعشرين، فلن تكون حياته الجديدة في معرّة النعمان، مخضرم القرنين الرابع والخامس الهجريين. سيكون المشهد عندها سريالياً لامعقولاً، وسيلوح أبو العلاء مغترباً مكتئباً في عصر الرقميّ والذكاء الاصطناعي، وفيزياء الكمّ والعلوم العصبيّة. أمّا أن يعود إلى الحياة ويقف في كفّة لا يرجح فيها أحد غيره، فذلك هو الأرب الأريب، لتجليل أعظم أديب.
لا شك في أن الأرقام القياسية لشخصية أبي العلاء، كما كانت في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، هي في حدّ ذاتها أسطورية. ليس في تاريخ أدبنا عبقري مبدع يكون له قريناً أو مدانياً في بحر علمه باللغة وعلومها. علماء العربية هم أدرى الناس بهذه الحقيقة. هو معجم المعاجم، لا صانع قواميس. هو موسوعة النحو والصرف والبلاغة. لكن كل ذلك ليس سوى شبر في آفاق عبقريته. اللزوميات ليست قمّة إبداعه. صحيح أنها لعبة رياضيات في ملعب القوافي، ولكن أهمّ ما فيها أنها متحف مترامي الأبعاد في فكره وفلسفته. لكي نستخرج الدرر العصرية من بحرها، يجب صياغتها نثراً، وعكوف نخبة من أهل الفكر والأدب المقارن عليها. فيها علامات عظيمة في دروب الفكر والرأي والتعبير والقيم الإنسانية. هي بالضبط ما يمكن أن تتجلى به شخصية المعري في حياته الجديدة. أمّا الأدب الساخر والكوميديا الرفيعة في قمة القمم، فهما فخر لا نظير لتراثنا، وعلى أكبر العارفين بالأدب الساخر المقارن، أن يأتوا ببرهانهم إن كانوا صادقين أن في الأدب العالمي نظيراً لرائعة «رسالة الغفران»، ولمن ادّعى وجود النظير وخاب، سنرسل إليه رسالة الغفران.
لزوم ما يلزم: النتيجة التقاعسية: ما لعيس الإنتاج الفني يقتلها ظمأ جفاف الإبداع، والماء من معرّة النعمان ينساب زلالا؟
[email protected]