أخلاقيات الحوار الثقافي

00:31 صباحا
قراءة دقيقتين

في كثير من اللقاءات الثقافية، في المنتديات والصالونات الأدبية، المؤسسية كانت أم الشخصية، أو في المؤتمرات والفعاليات الرسمية، الداخلية منها والخارجية، وفي اللقاءات الإعلامية، التي تجمع مجموعة من الأدباء والمثقفين في مختلف مجالات الثقافة والإبداع، ثمة حوارات ومناقشات في مواضيع شتى، وأحياناً يتداول المثقفون قضايا الساعة في الساحة الثقافية، المحلية منها أم الإقليمية أم العالمية.. وهنا نؤكد ضرورة التحلي بأخلاقيات الحوار الملتزم، بما لا يخدش حياء الكلمة، وبما يحترم الرأي والرأي الآخر، وبما يؤدي إلى تبيان إيجابيات المسألة المطروحة للنقاش، وعدم الإساءة إلى صاحب الطرح، وإلى وجهة نظره الشخصية في ما عرضه من قضية ثقافية قابلة للنقاش، وقابلة للقبول بقناعة، وقابلة للرفض بما لا يؤذي بالقول أو بالغمز واللمز، حتى وإن كانت القضية المطروحة على بُعد أميال جغرافية وتاريخية، ارتباطاً بعنصري الزمان والمكان البشريين.
يحدث أن تثار قضية ما في مكان ما في هذا العالم، القريب منه أو البعيد، وتكون وجهة نظرنا مغايرة تماماً، أو نوعاً ما، لوجهة نظر متبني القضية، فنكيل عليه بأقسى أنواع الصفات وإصدار الأحكام الغيابية دون تحري الأمر، ودون الاستماع عن قرب إلى وجهة نظر صاحبها، فننظر إلى النصف الفارغ من الكأس، ونغض الطرف عن النصف الملآن من الكأس التي تنتظر المزيد من السائل المناسب لتعبئتها.
نطرح مثل هذا الرأي، ووجهة النظر هذه، بعد ما أثير مؤخراً حول الكاتبة والمفكرة البولندية الشهيرة «أولجا توكارتشوك: 29 يناير 1962»، الحاصلة في 2019 على «جائزة نوبل للآداب» لسنة 2018، إذ حين حضورها مهرجان جبال الأدب، أبدت ملاحظاتها ورأيها الشخصي بما يتعلق بإصداراتها بوجه خاص، وبفعل القراءة بوجه عام؛ إذ لم تتوقع أن يقرأ الجميع، وأن تصبح كتبها مملوكة لكل الناس، وأن الأدب ليس للحمقى من أجل قراءة الكتب، إذ يجب أن يتمتع القارئ بكفاءة معينة، وحساسية معينة، وفهم معين للثقافة، إذ لا يمكن لأي قارئ أن لا يعرف شيئاً على الإطلاق، سينغمس فجأة في الأدب. مؤكدة أن كتبها للأشخاص الأذكياء، الذين يفكرون ويشعرون، ولديهم بعض الحساسية، وأنّ قُرّاءها يشبهونها في ذلك.
تلك ملاحظات ورأي مسؤول من الكاتبة أولجا توكارتشوك، أثارت استياء المجتمع الثقافي البولندي، مُتَّهِماً إيّاها بالطبقية والغطرسة؛ وأثارت امتعاض مثقفين عرب، معتقدين تبنّيها للعنصرية الثقافية في آرائها وملاحظاتها تلك.
إنّ آراءً تعصبية ومتسرعة وأحادية الجانب كهذه، جانبها الإنصاف إذ نظرت إلى النصف الفارغ من كأس الكاتبة أولجا توكارتشوك، دون الذهاب إلى ما رمت إليه من رأي واضح وصريح، بأن القارئ مهما كانت إمكاناته الاستيعابية متواضعة، فإنه يتمتع ولو بقدر بسيط من الذكاء والمهارة الثقافية؛ وهذا ما لمسناه بين سطور كلماتها التي تحترم ذاتها الكاتبة، والذات الثقافية لعموم القرّاء.

[email protected]

عن الكاتب

أديب وكاتب وإعلامي إماراتي، مهتم بالنقد الأدبي. يحمل درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال، من جامعة بيروت العربية. وهو عضو في اتحاد كُتّاب وأدباء الإمارات، وعضو في مسرح رأس الخيمة الوطني. له عدة إصدارات في الشعر والقصة والمقال والدراسات وأدب التراجم

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"