بكين وكانبيرا.. نحو علاقات اقتصادية أقوى

22:12 مساء
قراءة 3 دقائق

كين مواك *
قد تكون البداية الجيدة والحقيقية لرئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز هي بالتخلي المباشر عن السياسات المعادية للصين، والتي انتهجتها الحكومة الليبرالية السابقة، والمستوحاة بلا شك من الولايات المتحدة.

فجعل الصين «منافساً استراتيجياً» لن يخدم المصالح الوطنية لأستراليا، بل على العكس سيقوّضها. وعلى سبيل المثال، اتبعت الحكومة الأسترالية السابقة سياسة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بمنع شركات الاتصالات الصينية من المشاركة في طرح تقنيات الجيل الخامس «5 جي»، مما أعاق نمو الخدمة ورفع تكاليفها للذروة. وكان رد الصين بحظر غير رسمي لواردات الفحم الأسترالي أواخر عام 2020.

كما أن تفكيك المعدات «صينية الصنع» قد لا يعالج بالضرورة مخاوف «الأمن القومي» لأستراليا؛ لأن بعض المصادر البديلة لتكنولوجيا الاتصالات، مثل منتجات «نوكيا» و«إريكسون» و«سامسونج» مصنوعة في الصين. علاوة على ذلك، تمتلك «هواوي» عدداً من براءات اختراع «5 جي»، مما يعني أنه يجب على مزودي الاتصالات الأستراليين إظهار الولاء للشركة الصينية في أي حال. ولا ننسى فشل وكالات الاستخبارات الأسترالية، مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في تقديم أي دليل قاطع على أن منتجات «هواوي» تمثل تهديداً للأمن القومي.

خلال الفترة الماضية التي شهدت علاقات أكثر ودية مع الصين، تمتعت أستراليا بما يقرب من ثلاثة عقود من النمو الاقتصادي المستمر. وكانت مشتريات الصين الكبيرة من السلع الأسترالية في عام 2008 هي التي ساهمت بمنع اقتصاد كانبيرا من السقوط في ركود عميق. منذ ذلك الحين، تواصل بكين استيراد كميات ضخمة من الموارد الأسترالية، وإرسال مئات الآلاف من شبابها للدراسة في جامعاتها، بالإضافة إلى السياح.

لكن العصر الذهبي للعلاقة بين الصين وأستراليا انتهى بشكل مفاجئ عندما قررت الحكومة الأسترالية تقمص الدور الأمريكي وتبنّي روايته بأن الصين هي من سرّبت فيروس «كورونا» إلى العالم عبر مختبراتها، فحظرت معدات الاتصالات الصينية من الورود والعمل، متهمة بكين بانتهاك حقوق الإنسان، والتنمر على الدول الصغيرة، والتجسس أو التدخل في شؤون أستراليا، واتهمتها أيضاً بممارسة السلوك الاقتصادي القسري، من بين مزاعم أخرى.

ورداً على ذلك، توقفت الصين عن شراء بعض السلع الأسترالية، وفرضت رسوماً ثقيلة على سلع أخرى مثل الفحم والكركند. وأحجم العديد من الطلاب والسياح الصينيين عن السفر إلى أستراليا، بسبب مشاكل التأشيرات التي تفاقمت أساساً إثر جائحة «كورونا». وعلى الرغم من عدم إغراق الاقتصاد الأسترالي، إلا أن المقاطعة الصينية فاقمت المشاكل الاقتصادية التي سببها «كوفيد-19» في أستراليا.

كل هذا يثير سؤالاً واحداً: لماذا اختارت الحكومة الأسترالية السير في هذا الطريق؟ إن خوض معركة مع أكبر شريك تجاري لها، وثاني أكبر اقتصاد عالمي لن يخدم المصالح الوطنية لأستراليا. نعم، يمكن لأستراليا العثور على عملاء بديلين، لكن القليل منهم، إن وُجد، باستطاعته شراء كميات البضائع ذاتها التي تستطيع الصين شراءها واستهلاكها.

من هذا المنظور، يجب على الحكومة الأسترالية الجديدة أن تأخذ في الاعتبار مبادرات الصين تجاه التقارب والمكاسب المنتظرة من ذلك، وعدم إثارة غضب العالم المناهض لبكين.

لن تغير الصين برامجها التنموية والحوكمة، كما أنها لا تطالب الدول الأخرى في المقابل بتبني نماذجها. وبدلاً من ذلك، تمد يدها إلى الغرب، بما في ذلك أستراليا، للعمل معاً لجعل العالم أكثر سلاماً وازدهاراً. وبهذا السياق، تدرس بكين إنهاء حظر امتد لعامين تقريباً على الفحم من أستراليا تزامناً مع هدوء التوترات، وظهور مخاوف حيال تراجع الإمدادات مع بدء العقوبات التي يقودها الغرب على الطاقة الروسية. وهنا تحظى أستراليا بفرصة لتقديم بادرة إيجابية، وتأمين الظروف المواتية لتنمية العلاقات التجارية الصينية-الأسترالية بشكل صحي ومستدام.

حثّت القيادة الصينية حكومة حزب العمال المنتخبة حديثاً في كانبيرا على إعادة العلاقات بين الصين وأستراليا. وبعث رئيس وزرائها لي كيتشيانغ ببرقية تهنئة إلى نظيره الأسترالي الجديد أنتوني ألبانيزي، بعد فتور في العلاقات استمر أشهراً. وقدّم وزير الخارجية الصيني وانج يي عدداً من الاقتراحات البنّاءة، على أمل أن يتمكن الجانب الأسترالي من تكوين تصور صحيح عن الصين، واتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين العلاقات الثنائية.

جلّ ما تطلبه الصين من خلال تقديم هذه الاقتراحات المعقولة لأستراليا أن تكون مثل نيوزيلندا، باستطاعتها انتقاد بكين كما تراه مناسباً ولكن دون أن تكون استفزازية. والنتيجة كانت حفاظ نيوزيلندا والصين على علاقات متوازنة، وازدهاراً في التبادلات التجارية المستمرة، ومن المرجح أن تشهد نيوزيلندا أعداداً كبيرة من الطلاب والسياح الصينيين يتوافدون إلى حدودها.

من هنا نجد أن الدبلوماسية البراغماتية والحوار هما أساس التعامل الإيجابي طويل الأمد بين الدول، وعلى رئيس الوزراء ألبانيز أن يجربهما.

*أستاذ النظرية الاقتصادية والسياسة العامة والعولمة «آسيا تايمز»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"