صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
نايجل غرين
المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «ديفيرا» للاستشارات المالية والحلول الرقمية
أحدث مقالات نايجل غرين
2 نوفمبر 2025
ترامب وتاكايتشي.. والعصر الذهبي الجديد

نايجل غرين*

لم يكن إعلان دونالد ترامب عن «عصر ذهبي جديد» مع اليابان مجرد لفتة دبلوماسية، بل هو إشارة محورية للمستثمرين.
فالشراكة المتجددة بين واشنطن وطوكيو ترسم ملامح المرحلة التالية للأسواق العالمية، وتعيد تشكيل أولويات الاستثمار في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة. كان الاجتماع بين ترامب ورئيسة الوزراء اليابانية الجديدة، سانا تاكايتشي، مليئا بالرمزية لكنه قائم على أسس اقتصادية.
يتقاسم الزعيمان التركيز على المرونة الوطنية والاكتفاء الذاتي والنمو من خلال الاستراتيجية الصناعية. وسيؤثر هذا التوافق على تدفقات رأس المال إلى ما هو أبعد من آسيا. بالنسبة للمستثمرين، تمثل هذه العلاقة فرصة على نطاق لم نشهده منذ ازدهار الثمانينيات.
وينظر إلى التزام اليابان برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي تطوراً حاسماً. وهذا يعني ضخ كميات هائلة من الأموال العامة في القاعدة الصناعية وقطاعات التكنولوجيا التي تغذي القدرات العسكرية والسيبرانية.
وقد بدأت شركات الدفاع العالمية بالفعل في متابعة التأثير، لكن هذه الآثار ستمتد إلى موردي المكونات اليابانيين ومنتجي الروبوتات وشركات الهندسة المتقدمة. وبدأت الأسواق بالفعل في أخذ التوسع طويل الأجل لهذا الوضع الجديد في الاعتبار.
كما أن هذه الخطوة تربط اليابان بشكل أوثق بالمجمع الدفاعي والتكنولوجي الأمريكي. ومن المتوقع أن تتعاون الشركات الأمريكية واليابانية في تطوير أنظمة الجيل التالي والأقمار الصناعية ومنصات الأمن السيبراني.
ولن يؤدي هذا إلى تعزيز العلاقات الأمنية فحسب، بل سيخلق أيضاً قنوات استثمارية جديدة وعميقة بين البلدين. من المرجح أن يستفيد المستثمرون في قطاعات الدفاع والفضاء والذكاء الاصطناعي بسرعة من هذا الزخم.
أما الركيزة الثانية فهي الموارد حيث تُعد الاتفاقية الأمريكية اليابانية الجديدة بشأن العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية قصة استثمارية استراتيجية بحد ذاتها.
وهنا تركز الحكومتان على تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية، خاصة الليثيوم والنيكل والكوبالت - وهي المواد التي تُستخدم في تشغيل السيارات الكهربائية وأنظمة الطاقة المتجددة. وتلعب اليابان بالفعل دوراً حاسماً في إنتاج المغناطيسات على مستوى العالم.
وبدعم من الولايات المتحدة، ستوسع اليابان هيمنتها من خلال مشاريع مشتركة في استخراج المعادن ومعالجتها في الخارج. يجب على المستثمرين في التعدين والبنية التحتية لانتقال الطاقة ولوجستيات التوريد التركيز على هذا الاتجاه الهيكلي.
ويلاحظ أن التجارة والاستثمار يسيران جنباً إلى جنب. فقد تم تخفيف التعريفات الجمركية التي كانت تُجهد العلاقات في السابق مقابل تدفقات رأس المال اليابانية إلى قطاع التصنيع الأمريكي. ففي عام 2025، تجاوز حجم الاستثمارات اليابانية في الولايات المتحدة 60 مليار دولار، مع التزامات كبيرة في قطاع أشباه الموصلات ومصانع البطاريات. وتساهم هذه المشاريع في تعزيز الإنتاج الصناعي والتوظيف والابتكار في مجال الطاقة.
كما تدعم هذه الشراكة الدولار وتعزز ريادة الولايات المتحدة في التصنيع المتقدم. ومن المتوقع أن يجني المستثمرون الذين يمتلكون أسهماً في الشركات الصناعية وشركات الأتمتة الأمريكية ثمار هذه الدورة.
ويُعدّ السوق المحلي الياباني جذابًا بنفس القدر. فقد ارتفع مؤشر نيكاي إلى مستويات لم يشهدها منذ أكثر من 30 عاماً. وتجذب الإصلاحات الهيكلية، وتحسين حوكمة الشركات، وارتفاع عوائد المساهمين، رؤوس الأموال الأجنبية.
ويستمر ضعف الين في تعزيز أرباح المصدرين. وتتزايد تدفقات الاستثمار المؤسسي إلى طوكيو، ويعيد المستثمرون في جميع أنحاء العالم تقييم الأسهم اليابانية كاستثمار استراتيجي طويل الأجل بدلاً من مجرد صفقة تكتيكية.
كما تدفع هذه الشراكة نحو التنويع: إذ تعمل صناديق التقاعد والتأمين اليابانية، التي تدير أكثر من 5 تريليونات دولار، على توسيع نطاق استثماراتها العالمية. وتساعد هذه التدفقات الخارجة على استقرار الأسواق في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وتُعدّ الطاقة سمة مميزة لهذا التعاون الجديد. فتبقى الولايات المتحدة مصدراً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال، بينما تتقدم اليابان في تكنولوجيا الهيدروجين والأمونيا. ويخلق تركيزهما المشترك على استقلال الطاقة فرصاً استثمارية في مجالات الطاقة النظيفة والبنية التحتية وإدارة الموارد.
وستتبع رؤوس الأموال طويلة الأجل المشاريع التي تتماشى مع هذه الاستراتيجية، خاصة تلك التي تربط بين الأمن والاستدامة. وأرى أن هذا التحالف المتطور لا يقل أهمية بالنسبة للمستثمرين عن أي قرار يصدره البنك المركزي أو أي حدث في السوق.
فهو يعيد تشكيل مصادر النمو، والقطاعات الرائدة، والعملات التي ستتعزز. وتتصدر أسهم الدفاع والشركات الصناعية في الولايات المتحدة، وشركات التكنولوجيا والبنية التحتية في اليابان، وشركات التعدين والخدمات اللوجستية التي تدعم سلاسل التوريد في كلا البلدين، طليعة هذا التحول.
والمنطق السياسي واضح. فاستراتيجية ترامب تكافئ الدول التي تستثمر في أمريكا وتتحمل عبء الدفاع. وقد استجابت اليابان بحزم، ما عزز مكانتها كأكثر حلفاء واشنطن الاقتصاديين ثقة في آسيا.
وبالنسبة للمستثمرين، تُترجم هذه الثقة مباشرة إلى انخفاض المخاطر الجيوسياسية وزيادة الثقة في الالتزامات الرأسمالية طويلة الأجل.
ويلاحظ المحللون ذلك وفي جميع أنحاء المنطقة، فكوريا الجنوبية وتايوان تعمقان التعاون في مجال التكنولوجيا والدفاع، بينما تنقل الشركات المصنعة العالمية إنتاجها من الصين لتتماشى مع هذه الكتلة الجديدة.
ويبدو أن هذه بداية هيكل اقتصادي دائم يتمحور حول المصالح المشتركة والربحية المتبادلة. تشهد العلاقات بين ترامب واليابان حقبة ذهبية تُرسّخ إطاراً استثمارياً قوياً قائماً على الاستقرار والابتكار والنهضة الصناعية.
من المرجح أن تُساهم الدولتان اللتان شكّلتا النظام الاقتصادي لما بعد الحرب العالمية الثانية في صياغة ملامح الحقبة القادمة من النمو العالمي. ومن المتوقع أن يُحدد هذا التحالف مسار الفرص الاستثمارية للمستثمرين العالميين خلال العقد المقبل.
* باحث متخصص في إدارة الأصول وكاتب عمود في صحيفة «آسيا تايمز»

15 يونيو 2025
اقتصاد العالم بين جنيف ولندن

نايجل غرين*

شهدت لندن، مؤخراً، مواجهةً حامية الوطيس، بعيداً عن مصانع شنتشن أو قاعات التداول في «وول ستريت». ومع ذلك، كانت لحظة محوريةً للنظام الاقتصادي العالمي، وسارت وفق ما يشتهيه، مع توافق شبه كلي.
واحتضنت عاصمة الضباب، خلال يومين، عدداً من كبار المسؤولين الأمريكيين والصينيين، في محادثات ترمي إلى تهدئة التنافس الاقتصادي الأخطر في عصرنا. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: «إن اللقاءات تسير على ما يرام مع الصين، ولا أتلقى سوى تقارير جيدة».
وتتفاوض الصين على تخفيف القيود الأمريكية على التكنولوجيا، في حين تريد الولايات المتحدة منها تخفيف القيود المفروضة على صادرات المعادن الأرضية النادرة. لكن بالنسبة للمستثمرين الذين يتابعون الأحداث من سنغافورة إلى خليج سان فرانسيسكو، فإن هذه الاجتماعات لا تقتصر على التعريفات الجمركية فحسب، بل تتناول في عمقها أيضاً قواعد الاقتصاد العالمي، ومن سيصوغها في القرن الحادي والعشرين.
وتوصل الطرفان إلى إطار عمل يحدد تفاصيل اتفاق الشهر الماضي في جنيف، لتخفيف الرسوم الجمركية المتبادلة، التي وصلت إلى مستويات قياسية. قبل ذلك، اتهمت واشنطن بكين بأنها تماطل في صادرات المعادن الأساسية، فيما ردّت بكين باتهام الولايات المتحدة بمضاعفة القيود على التكنولوجيا، لا سيما على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
واكتسبت محادثات لندن أهميةً أيضاً، لأن المخاطر لم تكن يوماً بهذا القدر، إذ لم تعد الصين والولايات المتحدة مجرد دولتين متنافستين، بل قوتين تديران نظامين متباينين جوهرياً، يحاول كل منهما تشكيل البنية الاقتصادية العالمية على صورته الخاصة، فهي منافسة واسعة تشمل تدفقات البيانات، والعملات الرقمية، وسياسة الطاقة، والأمن القومي، والأيديولوجيا. والمستثمرون يعون تماماً خطورة هذا الأمر، ويتحملون مسؤولية تجاهله.
ولفهم خطورة المحادثات الأخيرة، علينا أن ننظر إلى ما وراء جداول التعريفات الجمركية، لنرى المسار الأوسع للأزمة. في عهد ترامب، ضاعفت الولايات المتحدة جهودها في مجال الحمائية الاستراتيجية، ولم تكن إعادة فرض تعريفات شاملة في «يوم التحرير»، الإجراء الوحيد، بل المرحلة التالية في جهد أوسع لإعادة تشكيل التعرّض الاقتصادي الأمريكي.
واستجابت الصين بالمثل، من خلال تسريع حملات الاعتماد على الذات، وتعزيز مجمعها الصناعي العسكري، وتشديد الرقابة على تدفقات رأس المال والتكنولوجيا الأجنبية، ليندفع العملاقان الاقتصاديان نحو نظام منفصل من سلاسل التوريد المتوازية، والمعايير التنافسية، والعملات الرقمية، والقواعد المتعارضة للذكاء الاصطناعي، ولينهار معهما النموذج القديم المتمثل بالترابط من خلال العولمة.
وكشفت تدفقات رأس المال الأخيرة عن ذلك، حيث كثّف المستثمرون الأمريكيون والأوروبيون استثماراتهم في إنتاج الرقائق المحلية. في المقابل، ضخّت الصين تمويلاً حكومياً ضخماً في شركاتها التكنولوجية الكبيرة، وتسلّحت بسياساتها الصناعية.
ومؤخراً، أعلنت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية عن مبادرة استثمارية جديدة بقيمة 500 مليار يوان (69 مليار دولار)، تُركز على التقنيات ذات الاستخدام المزدوج - تلك ذات التطبيقات المدنية والعسكرية. وفي الوقت نفسه، وسّعت وزارة التجارة الأمريكية قيودها التصديرية، لتشمل مكونات الحوسبة الكمومية ومجموعات بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي، والرسالة من كلا الجانبين واضحة لا لبس فيها: الهيمنة على تكنولوجيا الغد هي ضمان الأمن القومي لليوم. وبين هذا وذاك، يجد المستثمرون أنفسهم في مأزق مزدوج غريب، فهم مُعرّضون لمخاطر التشرذم، لكنهم في وضع يُمكنهم من الاستفادة من الاندفاع نحو ترسيخ المقوّمات المهيمنة للاقتصاد المستقبلي. لهذا السبب، ترقبت تلك المحادثات من كثب مجالس إدارة الشركات العالمية، والدوائر الدبلوماسية، ومراكز صنع القرار.
حتى الآن، نجحت المحادثات في الحفاظ على نهج جنيف، وإعادة الهدنة التجارية إلى مسارها الصحيح، وإزالة القيود التي تفرضها الصين على صادراتها من المعادن الأرضية النادرة، الأمر الذي سيُسهم في استقرار المعنويات وإحياء إبرام الصفقات، عبر الحدود التي شُلّت، بسبب حالة عدم اليقين السياسي.
لكن إذا تعرقلت في مكان ما لاحقاً، وتشير الدلائل إلى اختلالات جوهرية في الثقة والتوقعات، فإن الانفصال سيتسارع، وستتغير قواعد سلاسل التوريد بشكل أسرع، وسيُعاد تخصيص رأس المال على نطاق واسع، كما سترتفع مخاطر التضخم في المدخلات الرئيسية مثل أشباه الموصلات والمعادن النادرة مرة أخرى.
سيحتاج المستثمرون إلى التفكير في محافظ استثمارية مزدوجة: واحدة مخصصة للكتلة الغربية، وأخرى لمجال النفوذ الصيني. ومع ذلك، هناك دلالة أخرى أعمق لا ينبغي إغفالها، فالتنافس الحالي لا يقتصر على الناتج المحلي الإجمالي أو الريادة التكنولوجية، بل يتعلق برؤيتين اقتصاديتين تتنافسان على الشرعية. إحداهما راسخة في الرأسمالية الديمقراطية، تعيد تأكيد سيطرتها على التجارة والسياسات الصناعية بعد عقود من التحرير. والأخرى نموذج مركزي تقوده الدولة، ويعد بالنظام والسرعة والمرونة. هذا ليس تكراراً للحرب الباردة، بل هو نهج أحدث وأكثر مرونة، وربما أطول أمداً.
ولهذا السبب، فإن تصوير المحادثات على أنها مجرد مفاوضات تعريفات جمركية بحتة، يُغفل جوهر المسألة، فالأمر يتعلق بتصميم النظام، وكل حديث عن الرقائق أو البيانات أو المعادن الحيوية، هو في الواقع حديث عمن سيُحدد القوة الاقتصادية في العقود القادمة.
ما قدمته لندن ليس مجرد قراءة للمواقف السياسية، بل للإرادة أيضاً، فهل يستطيع أكبر اقتصادين في العالم التعايش مع حواجز الأمان، أم أننا نتجه نحو نظام اقتصادي ثنائي القطب بالكامل؟
*المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «ديفيرا» للاستشارات المالية والحلول الرقمية
(آسيا تايمز)

13 مايو 2025
آسيا تتنفس هدنة جنيف

نايجل غرين*

اتفقت الولايات المتحدة والصين على خفض الرسوم الجمركية بشكل حاد خلال التسعين يوماً القادمة، ما يوفر هدنة مطلوبة بشدة في حرب تجارية تُرهق سلاسل التوريد العالمية وتختبر صبر أسواق رأس المال.
ويُخفض الاتفاق، الذي أُبرم في جنيف، الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية من 145% إلى 30%، وتلك الصينية على الواردات الأمريكية من 125% إلى 10%.
وعلى الرغم من محدودية مدته وعدم اليقين من نتائجه، إلا أن الاتفاق يترك من الناحية العملية آثاراً ملموسة على الأسواق والعملات والمعنويات الآسيوية.
وقد ارتفعت الأسهم الآسيوية في أعقاب ذلك مباشرةً، بقيادة شركات التصدير وتصنيع أشباه الموصلات والقطاعات الصناعية. وارتفع مؤشر هانغ سينغ للتكنولوجيا في هونغ كونغ بنسبة 5.2% عند الإغلاق، مسجلاً أكبر ارتفاع له في شهرين.
وربما يكون رد الفعل الأبرز متمثلاً في أسواق الصرف الأجنبي، حيث حقق الدولار الأمريكي أفضل أداء يومي له منذ أكثر من شهر على أساس الوزن التجاري، لكن السؤال الأهم لأسواق العملات الأجنبية مستقبلاً هو ما إذا كان الضرر الذي لحق بمكانة الدولار على المدى الطويل قد وقع بالفعل.
وبينما كان رد فعل السوق الأولي إيجابياً بشكل واضح تجاه الدولار، إلا أنه عكس أيضاً تفكيك مراكز البيع الطويلة. فقبل الإعلان، ارتفع الدولار التايواني بأكثر من 8% مقابل الدولار الأمريكي هذا العام، وحذت حذوه بعض العملات الآسيوية الأخرى.
هذا ليس مجرد ضجيج أو إعادة توازن مؤقتة، إنه تحول في مراكز البيع. ويعكس الارتفاع الأخير في العملات الآسيوية قوتين رئيسيتين: أولاً، قوة ميكانيكية، حيث يقلل انخفاض الرسوم الجمركية من الضغط التضخمي على السلع المستوردة، ما يمنح البنوك المركزية في آسيا الناشئة مساحة أكبر لالتقاط الأنفاس. فالاتفاق يمنح دولاً مثل الهند والفلبين وإندونيسيا، التي كانت سابقاً مترددة بين رفع أسعار الفائدة ودعم النمو، مرونة أكبر قليلاً لإعطاء الأولوية للظروف المحلية على حساب الدفاع عن المخاطر الخارجية.
ثانياً، والأهم، أن رأس المال يتحرك، وبالتأكيد ستُعيد الشركات الآسيوية أرباحها المحتفظ بها في الخارج، وتبتعد صناديق التحوط ومديرو الأصول عن تداولات الدولار في ذروة الشراء.
في الوقت نفسه، يتسارع الطلب على أدوات التحوط من تقلبات العملات في اليابان، حيث تستغل الشركات الفرصة للحصول على شروط أكثر ملاءمة بعد أشهر من التقلبات.
ما تغير ليس أن المستثمرين يؤمنون فجأة بالمصالحة بين الولايات المتحدة والصين، بل إن الافتراض المستمر بحدوث المزيد من التدهور قد توقف. في الأسواق المالية، غالباً ما يُثير أي تغيير في الاتجاه، مهما كان متواضعاً، استجابة أكبر من استمرار الاتجاه.
لقد كانت الحرب التجارية هي الخطر الاقتصادي الحاسم خلال الأشهر الستة الماضية. ومع ذلك، لم تكن آسيا، بنظمها الإنتاجية المعقدة وروابطها التجارية العميقة، عرضة للخطر بشكل مذهل، لكنها تبقى حساسة باستمرار.
فمعلوم ٌ أن شركات تصنيع الرقائق التايوانية، ومصدري الإلكترونيات في كوريا الجنوبية، وشركات الآلات اليابانية، وشركات التجميع الفيتنامية، جميعها تعمل ضمن سلاسل توريد متعددة الخطوات تعتمد على القدرة على التنبؤ. بالتالي، لم ترفع الرسوم الجمركية التكاليف فحسب، بل زادت من حالة الشلل الاقتصادي.
والآن، مع مهلة 90 يوماً لتخفيض الرسوم الجمركية، سيخفّ بعض هذا الشلل، ويمكن للشركات البدء في اتخاذ قرارات مجدداً بشأن المشتريات والتوظيف والشحنات والنفقات الرأسمالية.
ومن المرجح أن تشهد البنوك في جميع أنحاء المنطقة اهتماماً متجدداً من الشركات باستئناف برامج الاستثمار التي توقفت سابقاً. في جنوب شرق آسيا، حيث أجّلت العديد من الشركات توسعاتها العابرة للحدود بسبب عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية، ستكون هناك علامات شبه فورية على تجدد نشاط التخطيط.
وسيدعم ضعف الدولار هذا الارتفاع في النشاط. فعادةً ما يُضخّم ضعف الدولار التدفقات إلى الأسواق الناشئة، ولن يكون الأمر مختلفاً هذه المرة. وسوف تصبح خدمة الديون والسلع المقوّمة بالدولار أقل تكلفة. وستشهد السندات السيادية والأسهم الآسيوية، التي كانت تُسعّر بشكل دفاعي، تدفقات واردة مؤقتة مرة أخرى. ومع ذلك، من الخطر الخلط بين هذا التحول في اللهجة وإيجاد حلّ حقيقي للتوترات الأمريكية الصينية. فاتفاقية جنيف محدودة النطاق ومؤقتة بطبيعتها، ولا تتضمن آلية إنفاذ، وأساسها هش.
وتُبرز تصريحات الرئيس ترامب بعد الاتفاق، التي أشار فيها إلى أن فرض تعريفة جمركية بنسبة 80% قد يكون مناسباً «في المرة القادمة»، مدى تقلب الوضع. إلا أن الدرس المستفاد من هذه التجربة هو أن أكبر اقتصادين في العالم يتعرضان لضغوط.
تحاول الولايات المتحدة إدارة قلق الناخبين بشأن أسعار المستهلك والركود الاقتصادي. وتعمل الصين على استقرار النشاط الصناعي وإعادة ترسيخ ثقة المستثمرين. ولا يستطيع أيٌّ منهما تحمّل انهيار كامل للعلاقات التجارية، على الأقل ليس في الوقت الحالي.
لا تزال آسيا موطناً لبعضٍ من أكثر الاقتصادات إنتاجيةً، مدفوعةً بالتصدير، وأسواق استهلاكية ديناميكية، وشركات تكنولوجية سريعة التكيف في العالم. وقد حجبت حرب الرسوم الجمركية هذه القوة بضخّها مخاطر خارجية. وتُزيل الهدنة ما يكفي من الضبابية لإعادة تسليط الضوء على الوضع الإقليمي.

* المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «ديفيرا» للاستشارات المالية والحلول الرقمية (آسيان تايمز)

20 أبريل 2025
رقصة النسر والتنين

نايجل غرين *

تخلت الصين عن التظاهر بالتفاوض، موصدةً الباب أمام أي أمل في هدنة فورية مع واشنطن. لم تكتف بكين بالرد بالمثل على الرسوم الجمركية الأمريكية، بل أطلقت أيضاً حزمة شاملة من الإجراءات الانتقامية التي تعزز الشكوك بأن أكبر اقتصادين في العالم يتجهان نحو انفصال كامل.
وكانت وزارة الخارجية الصينية واضحة جداً في انتقاء عباراتها، مُحذرة من أن البلاد ستواصل اتخاذ إجراءات حازمة لحماية سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية. وفي الواقع، لم يكن هذا التحذير تهديداً أجوفاً. ففي غضون ساعات، فرضت بكين رسوماً جمركية مضادة بنسبة 34% على جميع السلع الأمريكية - في انعكاس لآخر الزيادات من واشنطن - مضيفة إياها إلى الرسوم الجمركية التي تراوحت أساساً بين 10% و15% التي فُرضت في وقت سابق من هذا العام. لتستمر لعبة كسر العظم وتبلغ الرسوم 125% بين الطرفين.
يرى كثيرون أن هذا التصعيد ليس اقتصادياً فحسب، بل استراتيجي. حيث شددت الصين قبضتها على صادرات المعادن الأرضية النادرة الرئيسية، ذات الأهمية الحاسمة لصناعات التكنولوجيا والدفاع العالمية، وحظرت شحنات التقنيات ذات الاستخدام المزدوج إلى اثنتي عشرة شركة أمريكية، لا سيما في قطاعي الطيران والدفاع.
والأدهى من ذلك، أن بكين وسّعت نطاق «قائمة الكيانات غير الموثوقة»، ما أدى فعلياً إلى إدراج 11 شركة أمريكية إضافية في القائمة السوداء ومنعها من العمل بحرية في الصين.
ولمن لا يزالون متمسكين بآمال التوصل إلى مخرج دبلوماسي، ينبغي أن تكون تطورات نهاية هذا الأسبوع بمثابة جرس إنذار. فتحول بكين ليس رد فعل انتقامياً، بل هي سياسة مُدبّرة مسبقاً.
ومن غير المرجح أن يُخفف مسؤولو إدارة ترامب، الذين يرى بعضهم هذه الفترة فرصة لتسريع الانفصال الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، من موقفهم في مواجهة تحدي بكين. بل على العكس، أصبح من شبه المؤكد وجود جولات أخرى من الرسوم الجمركية الأمريكية.
وفي خضمّ ذلك، يجري بالفعل إحصاء الضرر الاقتصادي. إذ ستؤدي الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة، إلى جانب التدابير المضادة التي اتخذتها الصين، إلى رفع متوسط معدل الرسوم الجمركية الأمريكية المرجح على السلع الصينية إلى نسبة مذهلة تتجاوز 65%. وبالنسبة للمارد الآسيوي، قد يُقلص ذلك النمو عنده بنسبة تتراوح بين 1.5 و2% هذا العام، وهي ضربة موجعة لبلد يُعاني بالفعل ركود الصادرات، وأزمة عقارية، وضغوطاً انكماشية.
ومع ذلك، حتى مع تزايد مخاطر النمو، تبدو الصين مستعدة - بل متحمسة - لاستيعاب الألم. لماذا؟ لأن بكين استنتجت أن الولايات المتحدة مُصممة على تقييد صعودها، وأن أي اتفاق يُعرض الآن لن يكون سوى هدنة مؤقتة، وليس سلاماً حقيقياً. فمن وجهة نظر الصين، من الأفضل تحمل معاناة قصيرة الأجل بدلاً من قبول عيب استراتيجي لعقود.
في الواقع، أن تداعيات هذه الحسابات مُزلزلة. فإذا كانت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مُستعدة للتضحية بالازدهار على المدى القريب لصالح الاستقلال الاستراتيجي، فإن عصر المنافسة المُدارة قد ولّى بالفعل. والأسواق العالمية، التي لا تزال تُعاني وهم هيمنة العقل، مُقبلة على تعديلات قاسية.
في الأشهر المقبلة، من المرجح أن تُحدد المزيد من الرسوم الجمركية، والقيود المتبادلة، والانفصال الاستراتيجي معالم العلاقة بين واشنطن وبكين.
ويُظهر التصعيد الأخير أن كلا الجانبين مستعدان لمواجهة طويلة الأمد ومؤلمة. مواجهةٌ ستعيد تشكيل التجارة العالمية، والمالية، والوضع الجيوسياسي لسنوات قادمة.
لقد تجاوزت العلاقات الأمريكية الصينية مرحلة المناورة، ودخلت حقبة الصراع المفتوح على الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية. وما نشهده الآن ليس نزاعاً عابراً يمكن احتواؤه بمحادثات دبلوماسية، بل تحوّل جذري يُعيد رسم ملامح النظام العالمي. فبينما يُعيد كلا الطرفين تموضعه وفق أولويات السيادة والاستقلال الاستراتيجي، يدفع الاقتصاد العالمي الثمن، وتعيش الأسواق على وقع هزات متلاحقة.
وفي قلب هذا التصعيد المتعدد الأوجه، يبرز السباق على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كميدان المواجهة الأكثر حساسية واستراتيجية. فبعدما كانت النزاعات تدور حول التجارة والتعرفة، باتت تدور اليوم حول من يُهيمن على أنظمة الحوسبة الفائقة، ومن يتحكم في شبكات الجيل الخامس، ومن يطور أسرع خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأكثرها تأثيراً. تدرك واشنطن وبكين أن من يُمسك بمفاتيح هذه التقنيات، لن يُحدّد فقط مسار الاقتصاد العالمي، بل سيعيد تشكيل موازين القوة السياسية والعسكرية.
ومن هذا المنطلق، تتكثف محاولات العزل التكنولوجي، وفرض القيود على تصدير الرقائق المتقدمة والخوارزميات الحساسة، إلى جانب التنافس المحموم على استقطاب المواهب العلمية واحتكار سلاسل الابتكار.
وفي هذا السياق، لا بد للمراقبين من أن يتخلوا عن أوهام العودة إلى «الوضع الطبيعي السابق»، فالمواجهة باتت معركة إرادات طويلة النفس. ومن سيفوز؟ ليس من يملك القوة فقط، بل من يملك القدرة على الصبر، والمضيّ في إعادة تشكيل منظومة جديدة أكثر توازناً، أو أكثر تصادماً.
* المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «ديفيرا» للاستشارات المالية والحلول الرقمية (آسيا تايمز)

1 أبريل 2025
ماذا يعني «دانانتارا» لاقتصاد إندونيسيا؟

نايجل غرين *

حققت إندونيسيا إنجازاً نادراً في عالم المال العالمي، فقد عيّنت شخصياتٍ بارزة وذات وزنٍ كبير في المجلس الاستشاري لصندوقها السيادي الجديد «دانانتارا»، الذي تبلغ قيمته 900 مليار دولار.
ومع ذلك، ورغم مكانة التعيينات - راي داليو، وجيفري ساكس، وآخرون - إلا أن الأسواق تفاعلت بتشككٍ حاد. فقد انخفض مؤشر جاكرتا القياسي بنسبةٍ تصل إلى 4.7%، وهذا ليس مجرد رد فعلٍ مفاجئ، بل هو خطأٌ فادح.
ولو نظرنا إلى هذه التعيينات بعين الحقيقة، لوجدنا أنها علامة مشجعة على جدية إندونيسيا في إضفاء الطابع الاحترافي والعولمي على نهجها تجاه الثروة السيادية، وينبغي للمستثمرين حول العالم الترحيب بهذا التطور، لا النفور منه.
يتمتع راي داليو بسمعة طيبة في أوساط المستثمرين، كما أمضى جيفري ساكس عقوداً في تقديم المشورة للحكومات بشأن التنمية المستدامة والسياسات الاقتصادية المستدامة، وهذا وحده يُشير إلى جدية المهمة ومكانة المبادرة.
إنها إشارة واضحة إلى أن إندونيسيا تسعى إلى تفكير عالمي المستوى، ولا تخشى محاسبة المسؤولين على أعلى المناصب. وينبغي أن نشهد المزيد من هذا في جميع أنحاء آسيا، فالقارة موطن للكثير من الصناديق والتكتلات المرتبطة بالدول، والتي هي في أمسّ الحاجة إلى الإصلاح، لكن القليل منها فقط بذل جهوداً حثيثة لاعتماد الشفافية أو الرقابة الدولية.
وتُعدّ خطوة إندونيسيا نموذجاً جديراً بالتكرار، لكن قلق السوق ينبع من تساؤلات حقيقية. فصندوق «دانانتارا»، الذي أنشأه الرئيس برابوو سوبيانتو وأُطلق في فبراير/شباط، يُوحّد أصول الشركات المملوكة للدولة، ويُعيد توجيه أرباحها، البالغة 5.4 مليار دولار العام الماضي، بعيداً عن الميزانية الوطنية، إلى الصندوق.
إنه تحوّل كبير في السياسة المالية. كما أنه يضع سلطة هائلة في يد الرئيس، الذي سيشرف مباشرةً على الصندوق. وهنا يحق للمستثمرين أن يكونوا على حذر من أي دلائل على تجاوزات أو تعتيم، لا سيما في المنطقة التي شهدت ولادة صندوق التنمية الحكومي الماليزي 1MDB، والذي وصفه البعض بأنه أكبر عملية سطو في التاريخ المالي. لكن الافتراض منذ البداية أن هذا الجهد خطِر أو محكوم عليه هو سوء فهم للصورة الأكبر. ولا بد من الإشارة إلى أن إندونيسيا تواجه تحديين اقتصاديين هيكليين، الأول يتمثل بشركاتها الحكومية غير المُستغلة بالشكل الأمثل، وهي مؤسسات عملاقة مترامية الأطراف ومولدة للنقد في قطاعات البنوك والطاقة والاتصالات، بأصول تزيد على 900 مليار دولار. فهي بالغة الأهمية بحيث لا يمكن أن تبقى مجزأة ومقيدة سياسياً.
وثانياً، تواجه البلاد تباطؤاً اقتصادياً وضغوطاً على الميزانية، تتفاقم بسبب التزامات الإنفاق الجديدة مثل برنامج برابوو السنوي المجاني بقيمة 28 مليار دولار. إنها مخاوف حقيقية بالفعل.
وصُمم «دانانتارا» لمعالجة كلا التحديين، إذ يسمح بدمج الشركات المملوكة للدولة باستثمار أكثر تنسيقاً، لا سيما في الصناعات الحيوية، مثل المعادن والذكاء الاصطناعي والطاقة والأمن الغذائي. ومع حوكمة أقوى، يُمكن أن يُحول الصندوق إندونيسيا إلى مُخصّص أكثر استراتيجية وكفاءة لرأس المال، انتقالاً من تحصيل الأرباح السلبي إلى خلق القيمة بشكل فعال.
وهذا تحديداً ما يُبرر أهمية التعيينات. فلا يُمكنك جلب داليو وساكس إلا إذا كنت جاداً. كما أن إشراك قادة محليين مُحترمين، مثل الرئيسين السابقين جوكو ويدودو وسوسيلو بامبانغ يودويونو، يُضفي مزيداً من الشرعية والاستمرارية. يجب أن تكون الرسالة الأوسع للعالم واضحة، وهي أن إندونيسيا لا تتجه نحو الاستبداد أو التهور المالي. بل تُحاول القفز إلى عصر جديد من رأسمالية الدولة الاستراتيجية، حيث لا تتعارض الإدارة المهنية والمصلحة العامة.
كثيراً ما يُطالب المستثمرون بالتغيير، لكنهم يتراجعون عندما يبدو التغيير غير مُعتاد. صحيح أن توجيه أرباح الشركات المملوكة للدولة من خلال هيكل جديد قد يكون غير تقليدي، لكن الوضع الراهن لم يكن مستداماً.
وبينما لا يزال هيكل الصندوق بحاجة إلى مزيد من التفصيل، تشير الدلائل الأولية إلى أن الحكومة منفتحة على التدقيق والتوجيه الخارجي، وهذا أمر جيد.
بالنسبة لآسيا عموماً، ينبغي أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار. فالكثير من دول المنطقة تمتلك ثروات هائلة من أصولها - غالباً ما تُدار بشكل سيّئ، أو تُعاني من ضعف الاستدانة، أو تُسيّس. ويمكن لهذه الدول الاستفادة بشكل كبير من الاستعانة بمستشارين خارجيين.
لقد أخطأت الأسواق هذا الأسبوع في فهم الطموح على أنه عدم استقرار، والإصلاح على أنه مخاطرة. وهذا خطأ مكلف. ففي ظل وجود حوكمة سليمة وتعاون دولي، يمكن أن يصبح «دانانتارا» نموذجاً لنوع جديد من صناديق الثروة السيادية، صندوق لا يستثمر فقط في الأصول، بل في المستقبل أيضاً.
* المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «ديفيرا» للاستشارات المالية والحلول الرقمية «آسيا تايمز»

21 يوليو 2024
مزيد من التحفيز الصيني

نايغل غرين*

على النقيض من التضخم المرتفع الذي تعانيه الولايات المتحدة وأوروبا، تواجه الصين معدل تضخم منخفضاً بشكل مقلق، حيث أظهر مؤشر أسعار المستهلكين نمواً فاتراً بنسبة 0.3% فقط، على أساس سنوي. ما يشير إلى تهديد انكماشي مستمر من الممكن أن يقوض الاستقرار الاقتصادي إذا لم يتم التعامل معه على الفور.

ومن العوامل المهمة التي فاقمت المشاكل الاقتصادية في الصين أزمة العقارات المستمرة. فبعد أن كان هذا القطاع محركاً قوياً للنمو، لا يزال يعاني مستويات الديون المرتفعة بين مطوري العقارات، الأمر الذي تسبب بتراجع حاد في أعمال البناء.

ونتيجة ذلك، شهدت أسعار المساكن الجديدة في الصين، الشهر الماضي، أكبر انخفاض لها منذ ما يقرب من عقد من الزمان، في إشارة إلى أن عملية الإنقاذ التاريخية للقطاع العقاري في بكين لم تحقق التأثير المطلوب منها بعد. وكان لهذا التباطؤ، ولا يزال، آثار بعيدة المدى، إذ أدى إلى تقليص الاستثمار، وزيادة البطالة، وتآكل ثقة المستهلك.

وقد انخفض الاستثمار العقاري في البلاد خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، بنسبة 10.1% مقارنة بالعام الماضي، وفقاً لبيانات المكتب الوطني للإحصاء في يونيو/ حزيران، وانخفضت معه مبيعات العقارات الجديدة بنسبة 28% خلال الفترة نفسها. ويُخشى من أن يمتد عدم استقرار سوق الإسكان إلى مجالات أخرى من الاقتصاد، ما يجعل من الضروري لبكين التدخل بتدابير دعم مستهدفة وأكثر قوة.

وهناك قضية ملحة أخرى تتمثل في ضعف الطلب المحلي. فعلى الرغم من الجهود المختلفة لتحفيز الإنفاق، يبقى المستهلكون الصينيون حذرين، في وقت لم ينتعش فيه استهلاك الأسر إلى مستويات ما قبل الأزمة بعد.

وهذا الطلب البطيء يشكل عبئاً كبيراً على النمو الاقتصادي، ويؤكد الحاجة إلى سياسات قادرة على تعزيز ثقة المستهلك والقدرة الشرائية. وتعتبر التدابير الإضافية، مثل الإعانات المباشرة والحوافز الضريبية ودعم الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، محفزاً مهماً يساعد في تنشيط الاستهلاك المحلي.

وفي السياق ذاته، وبينما قد تبدو بيانات التجارة الأخيرة مشجعة، حيث تجاوزت قيمة الصادرات الواردات خلال الشهرين الماضيين، فإن هذه الأرقام تخفي قضايا أساسية. ومن الواضح أن النمو المسجل في أرقام الصادرات مدفوع جزئياً، بتأثير القاعدة الأساسية المنخفضة، ما يجعل الأرقام الحالية تبدو أفضل مقارنة بمستويات العام الماضي المتراجعة.

إضافة إلى ذلك، فإن النمو الحاصل في الطلب العالمي الذي دعم صادرات الصين قد لا يكون مستداماً، بخاصة إذا بدأت الاقتصادات الكبرى الأخرى بسلك طريق التباطؤ. وبالتالي، فإن الاعتماد على أداة التصدير وحدها، بوصفها علامة على الصحة الاقتصادية، قد يكون مضللاً.

ونظراً لهذه التحديات، فإن الأساس المنطقي لزيادة التحفيز من بكين مقنع، ومن شأن السياسات المالية والنقدية المحسنة أن توفر دفعة ضرورية لتنشيط الاقتصاد. وقد تساعد التدابير المستهدفة لدعم قطاع العقارات، مثل تخفيف شروط الائتمان للمطورين ومشتري المنازل، على استقرار هذه الصناعة الحيوية. إضافة إلى ذلك، فإن السياسات الرامية إلى تضخيم واردات الأسر، وثقة المستهلك، ضرورية كذلك لعودة الطلب المحلي إلى سابق عهده.

وإضافة إلى تدابير التحفيز الفورية، ربما تحتاج بكين إلى التركيز على الاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأجل في البنية الأساسية والتكنولوجيا والطاقة الخضراء. ولن توفر هذه الاستثمارات دفعة اقتصادية قصيرة الأجل فحسب، بل ستضع الأساس للنمو المستدام أيضاً. ومن خلال التركيز على القطاعات ذات إمكانات النمو العالية، تستطيع الصين الحد من اعتمادها على العقارات والصادرات، ما يخلق نموذجاً اقتصادياً أكثر توازناً ومرونة.

وللتأكيد على ذلك، فإن الوضع الاقتصادي في جمهورية الصين الشعبية يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة وحاسمة. والفشل في التصرف بسرعة وبقدر كاف قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على ثاني أكبر اقتصاد عالمي.

كما سيهدد التقاعس بإطالة أمد عدم الاستقرار الاقتصادي، ويُقوض الثقة بالأسواق المالية الصينية، وربما يشعل فتيل تباطؤ اقتصادي أوسع نطاقاً مع عواقب عالمية خطيرة، والتدخل السريع والقوي أمرٌ بالغ الأهمية لتجنب هذه النتائج.

*المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «ديفيرا» للاستشارات المالية والحلول الرقمية «آسيا تايمز»