القاهرة: «الخليج»
يطلق الباحثون في فلسفة الفيلسوف الألماني «هسرل» على كتابه «الفلسفة علم دقيق» اسم «مقال اللوغوس» نسبة إلى مجلة «اللوغوس» التي نشر فيها، وهناك ما يشبه الإجماع بين الباحثين على أهمية المقال في تفكير هسرل (8 إبريل 1859 – 26 إبريل 1938) يتجلى ذلك في تلك الأوصاف التي تطلق عليه، فمن قائل إنه «كالصخرة التي يقوم عليها تفكير هسرل».
إن تصور العلم الذي يبدأ منه هسرل هو تصور أفلاطون وديكارت والنزعة العقلية في القرن ال 17، وهذا التصور الذي يتوجه نحو الأسس الأولى يختلف عن التصور الحديث للعلم التجريبي؛ بل يختلف عن التصور الحديث للعلم عموماً، فالعلم بالمعنى الأفلاطوني هو العلم المطلق، والمعرفة المطلقة، ويتميز بأنه حدس للماهيات، في مقابل العلوم التجريبية، التي تقوم على الوقائع.
كان المطلب الدائم للفلسفة – منذ بداياتها الأولى – أن تكون علماً دقيقاً؛ بل أن تكون ذلك العلم الذي يفي بأعمق المقتضيات النظرية للعقل، ويمكن من وجهة نظر أخلاقية، من قيام حياة تحكمها معايير العقل الخالصة، وقد استمر هذا المطلب سارياً، عبر عصور التاريخ المختلفة، بدرجة تتفاوت قوة وضعفاً، لكن لم يصرف النظر عنه قط، حتى في العصور التي كان فيها الاهتمام بالنظر الخالص والقدرة عليه، على وشك الزوال، أو خلال تلك العصور التي كانت القوى الدينية فيها تقيد حرية البحث النظري.
مع ذلك كما يرى هذا الكتاب «الفلسفة علم دقيق» لهسرل، ترجمة محمود رجب، فإن الفلسفة لم تستطع في أي عصر من عصور تطورها، أن تحقق هذا المطلب، أي أن تكون علماً دقيقاً، حتى في العصر الحديث، الذي يمضي قدماً، على الرغم من كل ما في اتجاهاته الفلسفية من تعارض وتعدد، في مسار موحد في جوهره، ابتداء من عصر النهضة إلى وقتنا الحاضر.
العلوم الطبيعية
إن الطابع الأغلب على الفلسفة الحديثة، لا يقوم في استسلامها بطريقة ساذجة للنزوع الفلسفي؛ بل بالأحرى في محاولتها أن تبني نفسها علماً دقيقاً، عن طريق التأمل النقدي، وبفحصها لمنهجها على نحو أعمق دائماً، لكن الثمرة الوحيدة الناضجة لهذه المجهودات، كانت تأسيس العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية الدقيقة، وتحقيق استقلالها، فضلاً عن تأسيس المباحث الجديدة للرياضة البحتة.
أما الفلسفة بمعناها الخاص الذي يأخذ في التميز لأول مرة في عصرنا الحاضر، فقد ظلت، كما كانت من قبل، تفتقر إلى طابع العلم الدقيق؛ بل إن دلالة هذا التميز بقيت من دون تحديد علمي دقيق، فالفلسفة التي تعد وفقاً لغايتها التاريخية، أسمى العلوم جميعاً وأدقها، عاجزة عن أن تنبني علماً دقيقاً.
يقول هسرل: أنا لا أقول إن الفلسفة علم ناقص؛ بل أقول ببساطة إنها ليست بعد علماً، وإنها لم تخط بعد خطوتها الأولى، بوصفها علماً، كما أن العلوم كلها ناقصة، بما في ذلك العلوم المضبوطة التي نعجب بها، فهي من جهة ناقصة، بسبب الأفق اللانهائي للمشاكل القائمة بغير حل، والتي لن تدع النزوع إلى المعرفة يخمد أبداً.
على أن النقص في الفلسفة مختلف تماماً عن نقص العلوم جميعاً، ففي الفلسفة لا يقتصر الأمر على كونها تملك نسقاً من التعاليم، يتسم بالنقص، ولا يكون قاصراً إلا في حالات معينة؛ بل هي ببساطة لا تملك مثل هذا النسق، ذلك أن كل شيء في الفلسفة موضوع للجدل، وكل موقف يتخذ مسألة اقتناع شخصي، أو تفسير مدرسة أو وجهة نظر.
إن ما تقدمه المؤلفات العلمية الكبرى المخصصة للفلسفة في العصور القديمة والحديثة، على أنه مشاريع، لجدير بأن يقتضي من العقل عملاً جاداً؛ بل عملاً ضخماً، لا حد له، فضلاً عن أنه في استطاعته أن يمهد الطريق في المستقبل لإقامة أنظمة مذهبية دقيقة علمياً، غير أننا لا نستطيع أن نتبين شيئاً في هذه المؤلفات، يمكن أن يكون هو الأساس لعلم فلسفي، وما من أمل في أن نقتطع – إذا جاز التعبير – بمقص النقد، من هذا المؤلف أو ذاك شذرة بحث فلسفي.
إن الثورات الحاسمة بالنسبة لتقدم الفلسفة، إنما هي تلك التي يتم فيها هدم ادعاء الفلسفات السابقة أنها علم، عن طريق نقد طريق سيرها العلمي المزعوم، وعندئذ تنهض الرغبة الواعية تماماً، لتنشئ من جديد، وعلى نحو جذري، الفلسفة بمعنى العلم الدقيق، موجهة ومحددة ترتيب المهام، التي يتحتم علينا القيام بها.