الغاز والصداقة الحقيقية

21:30 مساء
قراءة 3 دقائق

انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ازدواجية معايير الولايات المتحدة في تحديدها أسعار الغاز الطبيعي المُسال الذي تُصدّره للاتحاد الأوروبي لتعويض ما فاتها من روسيا. وفي حديث صحفي عقب قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في بروكسل، شكّك ماكرون في صدق الولايات المتحدة بعلاقاتها التجارية مع أوروبا، مشيراً إلى بيعها الغاز الطبيعي لأوروبا بأسعار مرتفعة قياسية رغم تمتعها بأسعار طاقة منخفضة في السوق المحلي، وتقديمها مساعدات حكومية تصل إلى 80% في بعض القطاعات، في حين يتم حظر هذه المساعدات على الاتحاد الأوروبي.

لقد دفع الصراع الروسي الأوكراني أوروبا إلى الانخراط بأزمة طاقة غير مسبوقة، وذلك لاعتماد معظم دول القارة على إمدادات الغاز الطبيعي الروسي في تأمين احتياجاتها من الطاقة. وللتعويض عن ارتدادات العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، وعلى رأسها وقف شحنات الغاز الطبيعي الروسي، ارتمت فرنسا في حضن الولايات المتحدة للحصول على الغاز. وبحسب التقارير، زادت صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية إلى فرنسا بنسبة 421% خلال الشهور الثمانية الأولى من عام 2022، لكن قيمة السلعة زادت في المقابل بنسبة 1094% في أغسطس/آب وحده.

وكان ماكرون قد وصف في وقت سابق «الأرباح الحقيقية الفائقة» التي حققتها الولايات المتحدة والنرويج في صادراتهما من الغاز الطبيعي المسال إلى الدول الأوروبية بأنها «دخل غير مكتسب من حرب جيوسياسية». معاتباً إياهما بالقول: «ليس هذا هو المعنى الحقيقي للصداقة». وبالمثل أعرب وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك في وقت سابق عن استيائه من تصرفات بعض «الدول الصديقة»، بما في ذلك بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فيما يخص الغاز الطبيعي المُسال، والتي أدت إلى زيادة الأسعار بشكل مبالغ فيه. مما يؤكد امتعاض العديد من الدول الأوروبية من ارتفاع أسعار الغاز وأثر ذلك في اقتصاداتها ونموها.

لقد شهد العالم أجمع المظاهرات التي حدثت في عدة دول أوروبية، والمطالبة بخفض أسعار الغاز والنفط، ورأينا الاختناقات المرورية والازدحام بفرنسا أمام محطات الوقود بسبب تراجع كميات الطاقة. كما أن هناك دعوات في ألمانيا لتقنين استخدام الكهرباء لمدد معينة، وقد تتسع الدعوات في الدول الأوروبية مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا والارتفاع المتدرج لأسعار الغاز والنفط.

جدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي تسيء فيها الولايات المتحدة استخدام ثقة حليفتها من أجل السعي لتحقيق أقصى قدر من الفوائد الذاتية. فمنذ أكثر من عام، تعرضت العلاقات الفرنسية الأمريكية لضربة موجعة عندما ألغت أستراليا صفقة ضخمة لشراء غواصات فرنسية لصالح تكنولوجيا الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية من الولايات المتحدة. الأمر الذي أثار غضب فرنسا واعتبرته خيانة للاتفاقات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، لدرجة أنها استدعت سفيرها في واشنطن لتخبره أن ما قامت به بلاده بمثابة «طعنة في الظهر».

وعليه، فإن التعبير الأخير للرئيس الفرنسي بعدم رضاه عن الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع بلاده التي تعتبر نفسها شريكاً موثوقاً، قد يكون مبرراً تماماً. فلا يمكن استدامة العلاقات الودية بين دولة وأخرى إلا إذا احتكمت إلى المساواة والمنفعة المتبادلة.

بالنظر عميقاً فيما سبق، فإنه من المستغرب كيف تخلّت العديد من الدول الأوروبية عن استقلال سياستها الخارجية وأصبحت تابعة ضمنياً لحكم الولايات المتحدة وتوجيهاتها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقاتها مع الصين. وعلى سبيل المثال، بسبب الإكراه والإقناع الأمريكي، استبعدت العديد من الدول الأوروبية عملاق الاتصالات الصيني هواوي من مشاريع البنية التحتية للجيل الخامس «5G» مما تسبب في خسائر فادحة مشتركة لهذه الدول وللشركة الصينية نفسها.

إن تصريحات الرئيس الفرنسي وغيره من القادة الأوروبيين حول ازدواجية معايير أمريكا في بيعها الغاز لدولهم بأضعاف أسعار ما يباع بالسوق المحلي، ما هو إلا نداء لوقف الاستنزاف الاقتصادي الذي تشهده بلاده والدول الأوروبية مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها الاقتصادية الخطيرة.

افتتاحية تشاينا ديلي

https://tinyurl.com/48frj6an

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"