من أوائل من اشتغل على ظاهرة المقيظ في الإمارات بوصفها ظاهرة ثقافية، كان الصحفي والشاعر عيّاش يحياوي الذي اشتغل بأمانة على الثقافة الشعبية والتراث الشعبي في الإمارات، انطلاقاً من حبّه العميق للبلد. وقد فتح صفحات الملحق الثقافي في جريدتنا «الخليج» حين كان يرأسه آنذاك على قراءات ميدانية جديدة للمكان الإماراتي وجمالياته وروحه وظواهره الأدبية والشعرية والاجتماعية. ومن بين تلك الظواهر، ظاهرة المقيظ التي كانت قديماً تبدأ في مثل هذه الأيام من فصل الصيف، ويذهب «المقيظّون» بمتاعهم وأغراضهم وطعامهم إلى الواحات وبساتين ومزارع النخيل في الإمارات؛ حيث الأفلاج، والعيون، وآبار الماء.
في تلك البيئة الإماراتية الزراعية والجبلية، يستقر «المقيظّون» فترة الصيف كلّه هناك، وقد انتقلوا من بيئة الساحل الرطبة الحارة إلى مناطق يعرفونها جيداً في رحلة شعبية جماعية على ظهور الإبل. ويقول الباحث الشعبي الإماراتي علي المغني: إن أصحاب الإبل الذين يقومون بنقل الناس إلى المقايظ كانوا يسمون «الكريان»، أي أن هؤلاء كانوا يكترون جمالهم، لنقل متاعهم إلى المقائظ.
رحلة الذهاب إلى المقيظ في أوائل الصيف عند ظهور نجم الثريا، ثم رحلة العودة إلى السواحل والمدن في نهاية الصيف «عند طلوع نجم سهيل»، في حدّ ذاتها هي رحلة ثقافية، شعبية، طقسية أيضاً يتداخل فيها ما هو إنساني مع ما هو مكاني؛ حيث يعود الإنسان بفطرته إلى أمّه الأرض؛ المتمثّلة في الصحراء، ويعود إلى صفائه البشري، ويلوذ بالماء في الأفلاج، ويلتقي بشجرة الخير والحياة: النخلة التي تعطيه الرطب والغذاء والحلاوة.. من النغال والصلالي، إلى اللولو والخصاب.
في المقائظ الصحراوية والجبلية؛ حيث الواحات النخلية والشجرية الخضراء، يلتقي المقيّظون على الشعر وسرد الحكايات والخراريف في إطار ثقافي تماماً، لكن بالفطرة الإنسانية الصافية، والتي سوف تحفظ في قصائد الكثير من شعراء النبط الإماراتيين.
التقط، عياش يحياوي، رحمه الله، البدوي الجزائري الصحراوي هو الآخر هذه الثيمات الإماراتية المحلية، وحوّلها انطلاقاً من حبّه للإمارات إلى مادة ثقافية مشغولة بمهنية معرفية بأقلام باحثين مثقفين مثل سلطان العميمي، والراحل عمّار السنجري، وعلي المغني وغيرهم ممّن تسكن في أرواحهم هوية الإمارات المكانية، والثقافية والجمالية.
[email protected]