عادي
ترقب عام «التيسير الكبير» في 2024

2023 للأسواق العالمية.. عام الذكاء الاصطناعي وتجنب الركود

22:33 مساء
قراءة 7 دقائق

ظل الركود يحوم فوق الأسواق طوال العام، لكن المستثمرين لم يلحظوه في أي مكان تقريباً، وتم تجنبه في عام 2023، وهو ما استفادت منه مؤشرات سوق الأسهم إلى حد كبير.

يقول كولن غراهام، مسؤول استراتيجية الأصول المتعددة في شركة روبيكو: «إذا عدنا إلى توقعاتنا في العام الماضي، فقد كنا نعتقد أن عام 2023 سوف يدور حول الركود في الولايات المتحدة. لكننا كنا مخطئين».

في الربع الثالث بلغ نمو الاقتصاد الأمريكي، وهو الأكبر في العالم، أكثر من 5% بمعدل سنوي. وفي أوروبا، لم يكن الوضع واعداً، ولكن خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2023، بلغ النمو في دول الاتحاد الأوروبي 0.2%، وفي منطقة اليورو 0.1%.

ترجع قوة الاقتصاد الأمريكي بشكل أساسي إلى قوة المستهلكين الذين تجاهلوا حتى الآن التضخم وارتفاع أسعار الفائدة على حد سواء، كما يقول فنسنت جوفينز من بنك «جيه بي مورغان».

  • انتعاش أسواق الأسهم

نتيجة لذلك وبعد عام صعب في 2022، انتعشت أسواق الأسهم وسجل مؤشر «إم إس سي آي للعالم» (MSCI World) مكاسب بنسبة 21% على مدار العام، مقارنة بخسائر تقارب 20% في العام الماضي.

وفي أوروبا، سجلت فرانكفورت وباريس ارتفاعاً قياسياً جديداً، في حين سجلت ميلانو أعلى مستوياتها منذ عام 2008 ومدريد منذ عام 2018.

وفي آسيا، وصلت طوكيو إلى أعلى مستوياتها منذ 30 عاماً، بينما في الولايات المتحدة، عادت المؤشرات الرئيسية الثلاثة لتقترب من ذروتها في عام 2021.

  • السبع العملاقة

لكن ضمن مؤشرات سوق الأوراق المالية، لا شك أن الشركات الأفضل أداء في عام 2023 هي تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وشهدت شركة إنفيديا الأمريكية، الرائدة في سوق أشباه الموصلات المستخدمة لتطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، نمو قيمتها أكثر من ثلاثة أضعاف في سوق الأسهم لتصل إلى 1.180 تريليون دولار، وهي سادس أكبر شركة في العالم.

وتشكل إنفيديا مع عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، «غوغل» و«أمازون» و«ميتا» و«أبل» و«مايكروسوفت»، إضافة إلى «تيسلا»، ما يُطلق عليها اسم «العظماء السبعة» ذات رؤوس الأموال الضخمة والمسؤولة إلى حد كبير عن الارتفاع في أسواق الأسهم في 2023.

وتبلغ مكاسب سهم «ميتا» منذ بداية العام وحتى اليوم 194.24% أو أكثر من 233 دولاراً. وهذا أفضل أداء سنوي على الإطلاق للسهم، متجاوزاً القفزة البالغة 105% في 2013، وهي السنة التي تلت طرح السهم للاكتتاب العام.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، ميتا كانت تتنقل عبر أزمة ثقة دفعت سهمها إلى أدنى مستوياته منذ عام 2016. وكان رهان الرئيس التنفيذي على الميتافيرس يبدو وكأنه حفرة لمليارات الدولارات.

ويؤكد الارتداد الضخم لسهم «ميتا» صحة إعلان مارك زوكربيرغ في أوائل فبراير/ شباط أن عام 2023 سيكون «عام الكفاءة». وكانت التخفيضات الكبيرة في الكُلف على رأس جدول أعماله، حيث قامت الشركة الأم لفيسبوك بإلغاء أكثر من 20 ألف وظيفة. واعترف زوكربيرغ بأن التحديات الاقتصادية والمنافسة المتزايدة وخسائر الإعلانات «تسببت في انخفاض إيراداتنا بكثير عن ما كنت أتوقعه».

بعد ثلاثة أرباع متتالية من انخفاض المبيعات العام الماضي، عاد النمو في عام 2023، وفي الربع الثالث سجلت ميتا توسعاً بنسبة 23%، وهي أكبر زيادة لها منذ عامين.

  • تأثير المصارف المركزية

ومن خلال قراراتها بشأن أسعار الفائدة الرئيسية أو تدخلاتها في الأسواق عبر إعادة شراء الأصول أو بيعها، تؤثر المصارف المركزية في الأسواق، ثم يجري تتبع وترقب قراراتها ومناقشاتها باستمرار. حتى إن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اضطر إلى التدخل في آذار/ مارس 2023 لطمأنة الأسواق ومنع إفلاس ثلاثة بنوك إقليمية في الولايات المتحدة، مخافة أن يؤدي ذلك إلى حالة من الذعر في جميع أنحاء النظام المالي العالمي.

وعلى الرغم من تباطؤ وتيرة زيادات الأسعار على مدار العام، فإن محافظي البنوك المركزية رفضوا تخفيف سياستهم النقدية، بل قاموا بتشديدها أكثر في سبتمبر/ أيلول، ما أدى إلى تراجع احتمال خفض أسعار الفائدة الذي كان يأمله المستثمرون.

وتبلورت فكرة خفض أسعار الفائدة في الأشهر الأولى من عام 2024 أخيراً في نوفمبر/ تشرين الثاني، ما سمح لمؤشرات الأسهم العالمية بتجربة أفضل شهر لها منذ ثلاث سنوات، وبانخفاض حاد في أسعار الاقتراض في الأسواق.

يوضح كريستوفر ديمبيك، مستشار استراتيجية الاستثمار في مجموعة «بيكتيت أيه إم»، أن «توقع السوق أن تخفض المصارف المركزية أسعار الفائدة من دون المرور بمرحلة من الركود الاقتصادي كان له تأثير مباشر في الأسواق».

واستفادت من هذه الحركة أيضاً الشركات الصغيرة التي تغاضى عنها المستثمرون حتى الآن، ما أدى إلى اتساع فجوة التقييم بينها وبين الشركات متعددة الجنسيات خلال العام.

  • أمل واحد

وبينما يلوح عام 2024 في الأفق، يتشارك خبراء الاقتصاد وقادة الأعمال والمستثمرون وأيضاً المستهلكون من لندن إلى ليونز إلى لوس أنجلوس أملاً واحداً، وهو بدء خفض أسعار الفائدة. وتنهي بنوك مركزية من أكثر اقتصادات العالم تقدماً 2023 بمجموعة من اجتماعات السياسة النقدية في ديسمبر/ كانون الأول تغلق فعلياً صفحة الرفع الكبير لأسعار الفائدة الذي هيمن على الساحة الاقتصادية والمالية منذ 2022. وكان بنك اليابان المغرد الوحيد خارج السرب، إذ لم يتخل قط عن سياسة أسعار الفائدة السلبية، وألمح في آخر اجتماعات العام للبنوك المركزية لمجموعة السبع الكبرى إلى أن التحول عن هذا الوضع ليس وشيكاً. وكان السماح لبقية البنوك المركزية الكبيرة بإنهاء رفع أسعار الفائدة هو التحول الإيجابي للتضخم على مدار 2023. وبعد أن بدأ العام بمعدل تضخم سنوي يزيد في المتوسط بنحو 3.7 مرة على 2%، وهو الهدف المشترك لمجلس الاحتياطي الاتحادي المركزي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك كندا وبنك اليابان، انخفضت وتيرة زيادة الأسعار الآن إلى 1.5 مرة أعلى من هذا الهدف.

وبالطبع هذا يعني أن ثمة المزيد من العمل المطلوب في المرحلة الأخيرة من مكافحة التضخم. ويكره رؤساء البنوك المركزية إعلان النصر قبل الأوان، ويواجهون أسواقاً مالية متلهفة للاحتفاظ بأقصى قدر من الاختيارات، ما أدى إلى قرع طبول التعهدات بالإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو رفعها مرة أخرى إذا لزم الأمر. ومع ذلك، لا يحتاج التضخم إلى الانخفاض إلى 2% حتى يبدأ خفض أسعار الفائدة.

  • ما أهمية الأمر؟

إبقاء أسعار الفائدة مستقرة مع المزيد من التباطؤ في معدلات التضخم، هو شكل آخر من تشديد السياسة النقدية قد لا يكون ملائماً لفترة أطول. وهذا هو الأمر الذي بدأ بعض مسؤولي مجلس الاحتياطي الاتحادي يتحدثون عنه علناً، باعتباره سبباً لخفض أسعار الفائدة الذي أشاروا إليه في الأسبوع الماضي باعتباره أمراً مطروحاً في العام المقبل، لا سيما إذا كانوا يأملون في تحقيق «هبوط سهل» للاقتصاد الأمريكي.

وإبقاء أسعار الفائدة مقيدة لفترة أطول من اللازم يخاطر بنتيجة أكثر قسوة، وهي نتيجة تتسم بتباطؤ سريع في النشاط الاقتصادي، وارتفاع كبير في البطالة، والركود الذي تمكن معظم العالم من تجنبه حتى الآن، على الرغم من أن هذا التصور هو النهاية الأكثر تقليدية لدورة رفع أسعار الفائدة.

وشعرت القطاعات الاقتصادية الحساسة لأسعار الفائدة في كل مكان، مثل الإسكان والصناعات التحويلية، بوطأة ارتفاع أسعار الفائدة لأكثر من عام. وبينما استمر نشاط الخدمات بشكل عام في التوسع، فإن مقياس ستاندرد آند بورز جلوبال لنشاط الصناعات التحويلية في الاقتصادات المتقدمة يشهد انكماشاً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، على الرغم من وجود مؤشرات على أن الأسوأ قد يكون انتهى مع أحدث قراءة عند أعلى مستوى منذ الربيع. كما ارتفع إنتاج المصانع في الأسواق الناشئة، والذي ظل متوقفاً خلال معظم عام 2023.

  • ما الذي يعنيه ذلك لعام 2024؟

الآن تجري لعبة تحدٍّ كبيرة، إذ حددت أطراف السوق توقعات بتيسير نقدي أكبر على الأرجح مما يرغب رؤساء البنوك المركزية في تقديمه.

فعلى سبيل المثال، في حين أشارت توقعات الأسبوع الماضي من مسؤولي المركزي الأمريكي أنفسهم إلى أنهم يتوقعون تخفيضات في أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس على مدار عام 2024، فإن أسواق السندات والعقود الآجلة لأسعار الفائدة في وضع يسمح لها الآن بمثلي هذا المقدار. وقد دفع ذلك مسؤولاً واحداً على الأقل في البنك المركزي الأمريكي، وهو أوستن جولسبي، رئيس مجلس الاحتياطي في شيكاغو، إلى الاعتراف بأنه «مرتبك» من سلوك السوق.

وفي الوقت نفسه، قالت مصادر مطلعة عبر المحيط الأطلسي ل«رويترز»: «إنه من غير المرجح أن يكون البنك المركزي الأوروبي في وضع يسمح له بخفض أسعار الفائدة قبل يونيو/ حزيران، أي بعد ثلاثة أشهر مما تعكسه أسعار السوق هناك الآن».

وبطبيعة الحال، يكمن مفتاح كل ذلك في التضخم، إذ قال صناع السياسات إنهم على استعداد لتحمل مستوى معين من الألم الاقتصادي إذا لزم الأمر، لإعادة ضغوط الأسعار في النهاية إلى مستوياتها المستهدفة.

وقد تلعب السياسة دوراً أيضاً، فمن المقرر إجراء الانتخابات العامة في وقت لاحق من العام، في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على وجه الخصوص. وقد لا يرغب محافظو البنوك المركزية، الذين يقدرون استقلالهم السياسي، في أن يُنظر إليهم وهم يتخذون إجراءات كبيرة قبيل الانتخابات، خشية اتهامهم بمحاولة قلب النتيجة.

ومع نهاية العام، ظهر عامل سلبي جديد محتمل قد يؤدي إلى تعقيد فرضية خفض الأسعار، وهو الهجمات على سفن الشحن في البحر الأحمر، الأمر الذي أجبر شركات الشحن على التوقف عن العمل على مسار الشحن هذا أو إعادة توجيه حركة الشحن. ويشكّل هذا الأمر زوبعة لسلسلة التوريد يمكن أن تعيق المزيد من التقدم السريع بشأن التضخم.

  • معاناة الأسهم الصينية

وحدها أسواق الأسهم في الصين عانت، فقد خسر مؤشر «إم إس سي آي الصين» أكثر من 10% للعام الثالث على التوالي، وهجرها المستثمرون بسبب تدني انتعاشها عن المتوقع وهشاشة سوق العقارات وتخلف السلطات عن طرح خطة انتعاش ضخمة.

ولكن على المستوى العالمي، لم يلق معدل النمو فضلاً عن أرقام البطالة التي ما زالت متدنية، ترحيباً في السوق، لأن ذلك يعني ضمناً أيضاً المزيد من الصعوبات التي تواجهها البنوك المركزية في معركتها ضد التضخم.


جيروم باول المحامي.. نجم الأسواق

 

شكل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا جيروم باول نجم عام 2023، والمحرك الرئيسي للأسواق عند كل قرار كان يتخذه المجلس بشأن الفائدة. فالأسواق كانت تدخل في حالة ترقب مع كل خطاب لباول، لمعرفة خطوات «الفيدرالي» اللاحقة ومسار السياسة النقدية، لا سيما في ما يخص خفض الفائدة المرتفعة التي عانتها الأسواق طوال عام 2023. ولم يقتصر الترقب على الأسواق الأمريكية فقط، بل كان سيد الموقف أيضاً عند كل اجتماع وقبل كل كلمة يلقيها في حديث معين، في الأسواق العالمية لا سيما الأوروبية والآسيوية.

وهذا السبعيني لم يدرس الاقتصاد بل المحاماة، وبالرغم من ذلك استطاع بحنكته ومهارته قيادة المعركة ضد التضخم، وها هو ينجح فيها رغم إعلانه مراراً وتكراراً أنه من السابق لأوانه الإعلان عن الانتصار، حيث ألمح في الاجتماع الأخير للجنة السياسة النقدية في «الفيدرالي» إلى وجود تخفيضات في الفائدة العام المقبل.

وهذه ليست المعركة الأولى التي ينتصر فيها باول، فقد سبق وأن قاد معركة إنعاش الاقتصاد الأمريكي بعد جائحة «كورونا»، ونجح فيها، فما كان من الرئيس الأمريكي جو بايدن أن كرسه على رأس الفيدرالي الأمريكي في 2021، ممتناً للجهود التي قام بها في تلك الفترة.

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات
http://tinyurl.com/yc4rpcc8

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"