ألم ترَ كيف أن في قديم الأفكار ما يظل كل يوم جديد الجديدين، حتى لكأنه بسمة الفجر أو الصبح المتنفس؟ التربية ليست استثناءً. ثمّة فلتات ذهنية هي إبداع فكريّ على طول المدى، كأنها الشمس التي تظل توقَد وتوقِد وتتّقد وتتوقّد، حتى حين تحسبها غيّبها المغيب إلى حين بعيد.
منهجيّاً، منطقيّاً، يجب الانطلاق من القديم إلى الجديد. لكن، لا حرج على وخزة أو لكزة أو وكزة للمناهج العربية، علّ في ذلك ما يوقظ الإحساس بدقائق التربية والتعاليم، التي تقول دقّاتها للمؤسسات المعنيّة، إن المسيرة دقائق وثوانٍ، وإلاّ ضاع إنسان العصر في خسر. رسالة أنظمة التعليم ليست تفريخ موظفين، حمَلة شهادات تؤهلهم لدخول أسواق العمل. هذا المعمل أو المشغل أو الورشة، وما فيها من سنوات «دوشة»، تنتج بلداناً متعثرةً، مبعثرةً، منتثرةً أو مندثرةً. أليست على هذه الهيئة أكثرية العالم العربي؟
النقلة الكبرى في المناهج سوف تتحقق، يوم ينضو واضعوها عن عقولهم أغلوطة أن أدمغة التلاميذ والطلاب أوعية. شعارهم: هلمّوا أيها التربويون، صبّوا في هذه الأمخاخ مقرّراً علميّاً، وفي هذه مقرراً أدبيّاً. فإذا حانت ساعة الحساب في الامتحان، فالفلاح لتلك الأوعية الحسنة التعبئة والتغليف، أمّا إذا جاء المخزون منقوصاً غير مرصوص، فالطالب خائب راسب.
عندما ينطلق التخطيط التربوي من قاعدة أن التلميذ الذي تطأ قدمه عتبة المدرسة، إنما في جمجمته أعظم حاسوب في الكون، وأنه يحتاج لكي يكون في أحسن تكوين، إلى منظومة من العلوم والآداب والفنون، فعندئذ نستطيع تأهيله للإبداع في كل المجالات. هنا تلتقي أفكار الأقدم والأحدث. أدرك اليونانيون القدامى العلاقة بين الموسيقى والرياضيات والفلسفة، وانتقلت هذه المشاهد الذهنية إلى أوروبا، خصوصاً في ألمانيا وفرنسا. لكن المهمّ لموضوعنا، هو أن جامعة برينستون الأمريكية، عندما خصّصت صفوفاً لنوابغ الرياضيات، أضافت إلى مناهجهم، إجباريّاً، مادتي الفلسفة والموسيقى. على أنظمة التعليم العربية أن تأخذ هذا الأمر على محمل الجدّ، وأن تجعله مبدأً تربويّاً يطبّق على مراحل منذ الابتدائية. يقيناً، لا يمكن تدريس الفلسفة قبل الثانوية. لكن الفكرة التي يجب ترسيخها هي أن الموسيقى رياضيات في إيقاعاتها، وفيزياء في موجاتها الصوتيّة. أليس غريباً اختفاء مشروع الزعيم سعد زغلول، الذي أمر بإجبارية تعليم الموسيقى منذ الابتدائية؟ كونفوشيوس أوصى بتدريسها منذ سن الرابعة، مع الرسم والخط والشطرنج.
لزوم ما يلزم: النتيجة الغائيّة: التغيير الجذري للمناهج العربية، هو الانعتاق من التأهيل للوظائف، إلى صنع أجيال مبدعة.
[email protected]