بغداد - وام
تمكنت مدينة الموصل العراقية من تجاوز محنتها، ونفض غبار وركام الحرب المدمرة التي طالتها وعادت إلى حيويتها مدينة تنبض بالحياة مجدداً.
وكانت الموصل التي تُعدّ واحدة من أعرق المدن في العالم وتعاقبت عليها حضارات شتى طيلة آلاف السنين قد شهدت واحدة من أعنف الحروب التي أحالت أحياءها القديمة بما تحويه من جوامع وكنائس وأسواق وبيوت إلى ركام خاصة في سنة 2017 إبان دحر تنظيم «داعش» الإرهابي.
لكن الأيادي البيضاء السخية التي امتدت لهذه المدينة المنكوبة، بعثت في أزقتها القديمة ومعالمها التاريخية الروح من جديد في مشروعٍ خلَّاق مبدع أطلق عليه اسم مشروع «إحياء روح الموصل» وهو اسمٌ على مسمى بالفعل، لأنه يسعى إلى إعادة الحياة إلى معالم المدينة القديمة التي تشكل قلب الموصل وروحها الحضارية وهويتها المجتمعية.
وكانت أودري أزولاي المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، قد أطلقت المبادرة الرائدة «إحياء روح الموصل»، في فبراير 2018، لتكون بمثابة مشاركة من جانب المنظمة في إنعاش إحدى المدن العراقية العريقة.
وحسب اليونسكو، لا ينحصر إحياء الموصل في إعادة بناء المواقع التراثية وحسب، بل يتعدّاه إلى تمكين السكان بوصفهم أطرافاً فاعلة تشارك في عملية إعادة إعمار المدينة من خلال الثقافة والتعليم.
وعن هذا المشروع الحيوي أوضح أيوب ذنون مسؤول بيت التراث في الموصل أن مشروع «إحياء روح الموصل» مبادرة أطلقتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» سنة 2018 لإعادة إعمار المواقع التاريخية في مدينة الموصل.
من ناحيته، أكد عبد القادر الدخيل، محافظ نينوى، التي تُعدّ الموصل مركزها الحضري وجوهرتها التاريخية أن «مشروع إحياء روح الموصل» في المدينة القديمة يعتبر من أهم المشاريع الحيوية لإعادة الحياة إلى واحدةٍ من أقدم وأعرق مدن العراق.
وشدد في تصريحات لـ«وام» على أن هذا المشروع، الذي يتم بإشراف منظمة اليونسكو وبتمويلٍ من دولة الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي، يمثل خطوة جوهرية في إعادة إعمار المدينة بعد الدمار الذي شهدته خلال الحرب.
و فصّل أيوب ذنون، الذي اختير سفيراً لهذه المبادرة، مراحل هذا المشروع وكيفية توزيع المانحين وطبيعة مساهماتهم، مؤكداً أن دولة الإمارات العربية المتحدة كانت المبادر الأول الذي أعلن عن مشاركته في هذا المشروع التاريخي.
وأوضح أن المرحلة الأولى لمساهمة دولة الإمارات كانت تتعلق بإعادة بناء «جامع النوري» و«المئذنة الحدباء» التي تمثل أهم معالم قلب المدينة القديمة من الموصل ورمزها التاريخي منوهاً إلى أن المرحلة الثانية في هذا الإطار شملت إعادة إعمار كنيستي «الساعة» و«الطاهرة» وهما من أبرز معالم المدينة القديمة أيضاً وضمن المبادرة الإماراتية نفسها التي تشرف عليها منظمة اليونسكو.
وأضاف مسؤول بيت التراث في الموصل: إن المانح الثاني كان الاتحاد الأوروبي وتم اختيار 124 بيتاً تراثياً في المنطقة الممتدة على مسارٍ يبدأ من جامع النوري وكنيسة الطاهرة، حيث أعيد بناء هذه البيوت التراثية بنفس الطراز القديم الذي أنشئت عليه وباستخدام مواد البناء الأصلية نفسها ولفت إلى أن بناء البيوت التراثية جرى على مرحلتين من خلال المبادرة نفسها وضمن منحة الاتحاد الأوروبي.
وأكد أن هناك مرحلة ثالثة في إطار هذه المبادرة ستجري بدعم الاتحاد الأوروبي ويتم التنسيق لبدء العمل بترميم «حمام القلعة» و «البارود خانة» والمرحلة الأولى لترميم وتأهيل «قلعة باش طابيه» وكلها من المواقع التاريخية المهمة في الموصل.
وحول دور المشروع في إعادة الحياة إلى المدينة القديمة بالكامل، أكد الدخيل أن مشروع «إحياء روح الموصل» يشكل خطوة محورية وضرورية في إعادة إعمار المدينة القديمة غير أنه قال: إن هذا المشروع لا يكفي وحده لإعادة الحياة بالكامل إلى الموصل منوها إلى أن المدينة بحاجة إلى جهود مستدامة ودعم مستمر من مختلف الجهات المحلية والدولية لإعادة بناء البنية التحتية، وإعادة الروح الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.
وفي إطار الأنشطة الاجتماعية والثقافية جرى أيضاً، افتتاح المركز المجتمعي لمبادرة «إحياء روح الموصل» قبل أكثر من سنتين، وهو مركز تشترك فيه عدة جهات محلية مثل منظمة «تطوع معنا» و«مؤسسة تراث الموصل» ويقع مقره في بيت التراث الكائن في أحد البيوت التراثية على ضفاف نهر دجلة قرب قلعة «قره سراي» وهو مقر قديم للحكم استخدمه عدد من الحكام الذين تعاقبوا على حكم هذه المدينة العريقة، ويهتم هذا المركز بإشراك المجتمع المحلي بأنشطة مبادرة اليونسكو وما قامت به خلال هذه السنوات الماضية.
وقال مسؤول بيت التراث في هذا الصدد: إن من أهم البيوت التراثية التي جرى إكمال بنائها على الطراز الأصلي الذي أنشئت عليه «بيت عائلة الصائغ» وهو بيت تراثي مملوك لوزارة الثقافة العراقية وبيت «زيادة» الذي تعود ملكيته للوزارة أيضاً.
بالإضافة إلى منحة دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنحة الاتحاد الأوروبي، ينفذ هذا المشروع الذي ترعاه منظمة اليونسكو بالتعاون مع وزارة الثقافة العراقية ممثلة بمفتشية آثار وتراث محافظة نينوى، ودائرتي الوقف السني والوقف المسيحي لترميم المواقع الدينية، فضلًا عن ذلك هناك مساهمات من دولٍ أخرى في هذه المبادرة.