في الوقت الذي تتسلط فيه الأضواء على المجازر الإسرائيلية الرهيبة في قطاع غزة، تعيش الضفة الغربية المحتلة وضعاً لا يقل خطورة، وتشهد معركة تصفية شرسة للوجود الفلسطيني، من خلال توسيع سياسة هدم المخيمات وتنفيذ حملة تهجير غير مسبوقة للسكان، وتوسيع للاستيطان وقطع للطرق بالحواجز العسكرية وعزل للمدن ومنها القدس الشرقية المحتلة.
المذابح المستمرة في غزة وما يجري في الضفة المحتلة، وجهان لحرب إسرائيلية واحدة، تعمل على إنهاء القضية الفلسطينية ومصادرة «حل الدولتين»، ويؤكد ذلك التصريحات المتطرفة الصادرة من تل أبيب حول الضم والاستيطان وإنهاء دور السلطة الفلسطينية ومنع سيطرتها على المناطق التي يفترض أنها تحت إدارتها بموجب اتفاقيات أوسلو وقرارات الشرعية الدولية، التي باتت إسرائيل تدوسها علناً، وتتبجح بعدم تنفيذها وإهانتها المطالبين باحترامها والالتزام بها.
ففي الأشهر القليلة الماضية ومنذ الاتفاق على الهدنة المغدورة في غزة، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وطوباس والدهيشة، وهجّرت عشرات الآلاف من سكانها بذرائع واهية منها ما تسميه «مكافحة الإرهاب»، وتأمين المستوطنات غير الشرعية، التي تمادى مستوطنوها في الاعتداء على البلدات الفلسطينية وإرهاب المزارعين والرعاة والسطو على الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون وقطع الماء وتخريب الطرق والمسالك بين القرى والتجمعات السكنية.
ما يحدث في الضفة المحتلة حرب، بكل المقاييس، تريدها إسرائيل أن تظل منسية وبعيدة عن الاهتمام، في ظل العدوان المستعر على غزة وقتل وإصابة المئات يومياً وإعادة احتلال أجزاء من القطاع وتجزئته، استعداداً لتنفيذ خطة واسعة للتهجير. وما تفعله إسرائيل يرمي إلى تحقيق نتيجة مزدوجة في الضفة والقطاع، هدفها تنفيذ مخطط واسع للتهجير وإعادة الاحتلال، والانقلاب على كل الاتفاقيات والتفاهمات السابقة ذات الصلة بما يسمى «مسار السلام»، الذي قوضته إسرائيل وأجهزت عليه، واستبدلته بمشروع توسعي شائن لا مكان فيه للدولة الفلسطينية أو مفاوضات حول اليوم التالي، بل إن هذا المشروع تجاوز الحيز الجغرافي للضفة وغزة، وتمدد إلى جنوبي لبنان وسوريا، حيث وسعت إسرائيل احتلالها لمناطق عدة مثل التلال الخمسة في الجنوب اللبناني وجبل الشيخ ومواقع في الجولان ومحافظة درعا بالجنوب السوري.
قبل يومين، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، التي حظرها الاحتلال، إن شمال الضفة الغربية يشهد أكبر موجة تهجير قسري للسكان منذ حرب 1967، بينما تظهر خرائط السيطرة أن 45 بالمئة من أراضي الضفة أصبحت تحت السيطرة المباشرة للاحتلال، وهناك 14 بالمئة في قبضة المستوطنين المدعومين من التيار المتطرف الحاكم في تل أبيب، وبحكم الأمر الواقع فإن الوجود الفلسطيني لم يعد قابلاً للحياة، ولا يوجد أفق لأي مشروع سياسي، وربما لم يتبق الآن إلا أن تعلن إسرائيل ضم الضفة نهائياً، وهو متوقع في ضوء تصريح سابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين تعهد بإصدار أمر يدعم سيطرة إسرائيل على مناطق من الضفة بما فيها المستوطنات، التي رفضت الإدارات الأمريكية السابقة الاعتراف بها، وتعتبرها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي غير شرعية. ولكن السياق الجاري يشير إلى أن هناك خطة يجري تنفيذها، على السواء، في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث لا شيء غير الاحتلال والتصفية والقتل والتهجير.