في القمة الثامنة للمجموعة السياسية الأوروبية، التي عقدت في العاصمة الأرمينية يريفان مؤخراً بمشاركة كندا للمرة الأولى، برز تحالف جديد عبر «الأطلسي» في مواجهة الهيمنة الأمريكية والتداعيات المتزايدة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الدول الأوروبية، خصوصاً بعد قراره الأخير تقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، وخفض الدعم العسكري لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، وسعيه لتسوية مع روسيا بمعزل عن الدول الأوروبية، ومواصلة انتقاده للقادة الأوروبيين، وأحياناً السخرية منهم، وأخيراً تهديد أوروبا بفرض رسوم جمركية جديدة، ومنحها مهلة حتى الرابع من يوليو (تموز) المقبل للالتزام ببنود اتفاق التجارة الذي تم التوصل إليه في يوليو (تموز) الماضي.
تكتسب مشاركة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في القمة للمرة الأولى أهمية خاصة، إذ يلتقي في هذا المنتدى السياسي الذي أُنشئ عام 2022 بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويعقد مرتين سنوياً، قادة الدول الأوروبية فقط، باستثناء روسيا وبيلاروسيا، وتغيّب عنه هذه المرة الرئيس التركي أردوغان والمستشار الألماني ميريتس، لكن مع توجيه الدعوة إلى كندا في هذه الدورة فإن الأمر تجاوز الجغرافيا الأوروبية، وبات يأخذ منحى مناهضاً للرئيس الأمريكي، وهذا يعني أن كندا تجاوزت تبعيتها السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة وبدأت تلعب في الملعب الأوروبي رغم بعدها الجغرافي عنه.
ورغم أن هذا المنتدى أقيم لتسهيل الحوار السياسي والاستراتيجي، من دون اتخاذ قرارات ملموسة، إلا أنه في قمة يريفان اتخذ منحى آخر بالسعي لتحقيق استقلالية أمنية أكبر لأوروبا بعيداً عن الولايات المتحدة، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء الكندي بالقول: «لا نعتقد أننا محكومون بالخضوع لعالم أكثر نفعية وانعزالاً ووحشية.. واجتماعات كهذه تتيح لنا مساراً آخر»، في إشارة واضحة إلى التحولات التي تقودها واشنطن على صعيد التجارة والأمن والتحالفات الأمنية، وقال: «نحن أكثر أوروبية بين الدول غير الأوروبية، ولذلك هناك طرق كثيرة يمكننا العمل عبرها العمل معاً».
بدورها قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «علينا تعزيز قدراتنا العسكرية لنتمكن من الدفاع عن أنفسنا»، وأضافت: إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى قدر أكبر من الاستقلالية في القضايا الأمنية، في حين قال الرئيس الفرنسي ماكرون: «إن النظام الدولي أي قدرة الدول التي تؤمن بالقواعد الدولية والديمقراطية والتعاون والتجارة الحرة والعادلة على العمل معاً، سيعاد بناؤه انطلاقاً من أوروبا ومن خلال هذا الحوار الخاص»، في إشارة واضحة إلى عمل أوروبي مشترك بعيداً عن السياسات الأمريكية بهذا الخصوص.
إن هذه القمة ليست مجرد محطة جديدة في القمم الأوروبية، بل اختبار لقدرة القادة الأوروبيين على تحويل المواقف السياسية إلى فعل جيوسياسي، أي إنتاج موقف عملي يتجاوز النمط العادي من المواقف، وتحويل الزخم المتعلق بالاستقلال الأمني إلى واقع عملي قابل للتنفيذ بالسرعة الممكنة في عالم يتعرض لتحولات أمنية وسياسية غير مسبوقة.
لكل ذلك، لا تقاس أهمية قمة يريفان بعدد القادة الذين حضروها، أو بالمواقف التي صدرت عنهم، بل بالقدرة على أن تصبح أوروبا عنصراً فاعلاً في مجرى السياسات الدولية بعيداً عن الإملاءات الأمريكية، والتحدث بصوت جماعي يتجاوز الخلافات البينية حول بعض المواقف من قضايا محلية أو دولية. خصوصاً أن اختيار يريفان مكاناً لانعقاد هذه القمة يحمل معنى يتجاوز المكان، بل بمثابة مؤشر على أن حدود أوروبا لم تعد تُفهم جغرافياً فحسب، بل سياسياً وأمنياً واستراتيجياً أيضاً.