جابر محمد الشعيبي*

في عصر تتسارع فيه الابتكارات التكنولوجية بوتيرة غير مسبوقة، فرضت التقنيات المالية نفسها لاعباً رئيسياً في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي. وفي هذا المشهد العالمي المتغير، برزت دولة الإمارات كلاعب محوري يقود دفة التغيير، مستفيدة من بنيتها التحتية الرقمية ورؤيتها المستقبلية، حيث تبنت مبكراً استراتيجيات شاملة لتعزيز الابتكار المالي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، مدفوعة برؤية تهدف إلى ترسيخ موقعها كمركز مالي عالمي متقدم. وبينما تواصل شركات التكنولوجيا المالية توسعها، تواجه البنوك التقليدية تحديات وفرصاً متداخلة تتطلب استجابة استراتيجية ذكية لضمان الاستمرارية والريادة في بيئة مالية متغيرة.
يشير تقرير مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في التقرير السنوي لعام 2024 إلى تحقيق القطاع المصرفي أصول 4.56 تريليون درهم مسجلاً نمواً بنسبة 12%، وهو ما يضع الدولة في مركز الريادة على مستوى الشرق الأوسط من حيث حجم الأصول المصرفية. بالإضافة إلى أن قطاع التكنولوجيا المالية واصل النمو من حيث مساهمته بنسبة 8.7% بالناتج المحلي الإجمالي للإمارات حيث هذا النمو بفضل بيئة الإمارات التشريعية المتطورة ودعمها للمشاريع الناشئة.
هذا النمو المتسارع يعكس تحوّلاً جوهرياً في سلوك المستهلكين الماليين، الذين باتوا يبحثون عن حلول أكثر سرعة ومرونة مقارنة بالخدمات المصرفية التقليدية. فالتقنيات المالية تقدم اليوم حلولاً تشمل المحافظ الرقمية وخدمات الاستثمار الذكي والتمويل الجماعي وحلول الدفع عبر الهواتف المحمولة. وتمتاز هذه الحلول بانخفاض تكاليف التشغيل وسرعة الاستجابة لاحتياجات العملاء، ما يجعلها منافساً قوياً للبنوك التقليدية.
بينما تواصل شركات التكنولوجيا المالية تقدمها السريع، تواجه البنوك التقليدية مفترق طرق حاسم. فهي لا تزال تمتلك مزايا تنافسية مهمة مثل الثقة المتجذرة والخبرة العريقة في إدارة المخاطر والقوة التنظيمية. إلا أن الحفاظ على هذه المزايا في المستقبل يتطلب تحولاً استراتيجياً بعيداً عن نماذج العمل التقليدية.
بدأت البنوك الإماراتية بالفعل في التحول إلى كيانات هجينة تجمع بين التقاليد المصرفية العريقة والابتكار الرقمي المتسارع، من خلال تطوير منصات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، وتعزيز استثماراتها في أمن المعلومات وبناء شراكات استراتيجية مع شركات FinTech.
توقع تقرير لمجلة «فوربس» العالمية أن يصل سوق التكنولوجيا المالية في دولة الإمارات إلى 3.56 مليار دولار، خلال عام 2025، و6.43 مليار دولار بحلول عام 2030. ويتجه هذا النمو نحو مجالات الابتكار المفتوح، وتبني منهجيات العمل المرنة، والبحث عن نماذج شراكة ناجحة مع شركات التكنولوجيا المالية، في مسعى لتعزيز تجربة العملاء وتطوير منتجات وخدمات مالية متطورة.
يبدو أن الطريق إلى المستقبل يتطلب من البنوك الإماراتية أن تسارع إلى إعادة هيكلة بنيتها التحتية الرقمية بشكل عميق، وألا تكتفي بتحسين التطبيقات والواجهات التقنية فقط، بل أن تعيد التفكير بشكل شامل في نماذج التفاعل مع العملاء وآليات تقديم القيمة. كما تحتاج البنوك إلى التركيز على تقديم حلول مصرفية مخصصة، وسريعة، ومدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع ضمان أعلى مستويات الحماية السيبرانية لضمان ثقة العملاء واستمرارية العلاقة.
على صعيد آخر، يتطلب المستقبل المالي الجديد إعادة صياغة المهارات والكفاءات داخل البنوك نفسها، من خلال الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر البشرية المواطنة على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وإدارة الأمن السيبراني، لضمان مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
إلى جانب الدور الحيوي الذي تلعبه البنوك التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية، ينبغي تحسين بيئة الأعمال لتصبح أكثر تطوراً وجاهزية توفر فرصاً استراتيجية يجب اقتناصها بحكمة لضمان الاستفادة القصوى من الثورة المالية القادمة. أولى هذه الفرص تتمثل في تسريع تنفيذ مبادرات «التمويل المفتوح»، بما يتجاوز مجرد مشاركة بيانات الحسابات المصرفية، ليشمل منتجات الادخار والاستثمار والتأمين، ما يوسع قاعدة الابتكار ويوفر فرصاً جديدة للمستهلكين. كما تبرز أهمية الاستثمار في تطوير منظومات الذكاء الاصطناعي الوطنية، لدعم الخدمات المالية الذكية وتعزيز كفاءة اتخاذ القرار المالي بناءً على تحليلات عميقة للبيانات.
كما يشكل تعزيز برامج دعم المشاريع الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية فرصة كبيرة. فالتوسع في توفير مسرعات الأعمال، وحاضنات الابتكار المالي، وإتاحة التمويل الميسر للشركات الناشئة، سيسهم في جذب المواهب وتوطين التقنيات الحديثة، ما يرسخ موقع الإمارات كمركز عالمي لريادة الأعمال المالية. كذلك، تمثل الشراكات الإقليمية والدولية مجالاً واعداً لتوسيع تأثير الإمارات في مشهد التكنولوجيا المالية. من خلال توقيع اتفاقيات مع مراكز مالية عالمية، يمكن تعزيز تدفق الاستثمارات والمعرفة التكنولوجية، بما يسرع من بناء منظومة مالية رقمية متكاملة تتجاوز الحدود الجغرافية.
وأخيراً، ينبغي مواصلة الاستثمار في نشر الثقافة المالية الرقمية بين مختلف شرائح المجتمع، لضمان شمول مالي أوسع، وزيادة وعي الأفراد بحقوقهم وفرصهم في البيئة المصرفية الجديدة، بما يعزز من الثقة العامة ويسرع من تبني الخدمات الرقمية.
في عالم تتسارع فيه الابتكارات وتشتد فيه المنافسة، لم يعد بوسع البنوك التقليدية الاعتماد على النماذج القديمة للبقاء. بل أصبح التغيير والابتكار ضرورة وجودية. وفي ظل ما تشهده الإمارات من تطورات سريعة في مجال التكنولوجيا المالية، تبقى الفرصة متاحة للبنوك التي تملك الرؤية والشجاعة لإعادة ابتكار ذاتها. فبالتوازي مع الثورة الرقمية، تصنع الإمارات طرقها الخاصة نحو الريادة الاقتصادية الرقمية، وستكون القيادة للمؤسسات التي تبادر إلى الابتكار وبناء الثقة الرقمية وتعزيز الشراكات الذكية.

*كاتب وباحث

[email protected]