يحيى زكي

نحن نقول ببساطة عند رصد تاريخ النهضة الأوروبية إن هناك حركة كشوف جغرافية أسهمت بقوة في تقدم الغرب وهيمنته على العالم، ولكن هذه المعلومة البسيطة تختزن العديد من المفاصل والآفاق والقصص التي تحتاج إلى أن تروى. والملاحظ كذلك أنها قصة خاصة بالغرب فقط، ولم تعرفها حضارة أخرى خلال صعودها وتوهجها، بمعنى أن الشعوب الأخرى لم تشهد تلك العملية الطويلة والمعقدة والمركبة من اكتشاف العالم، وهي العملية التي كانت مركزية في نهضة أوروبا، بل إننا لا نبالغ كثيراً إذا قلنا إنها كانت قلب تلك النهضة.
لقد كانت المكاسب التي حققها الغرب من تلك الكشوف والرحلات لا تقدر بثمن وعلى المستويات كافة، فعلى الجانب المادي بدأت هذه الرحلات تؤتي ثمارها عبر الاستعمار والاستيطان، وما رافق ذلك من ثروات لا يمكن تخيل حجمها، وهو ما أسهم في تأسيس أساطير حول مدن الذهب والفضة خاصة في الأرض الجديدة.
صاحبت بدايات الاستعمار والاستيطان مسألة تأسيس الشركات الكبرى في أعالي البحار التي سيطرت على قرارات دول وحكومات وخاضت صراعات وحروباً، وكانت تجربة مبكرة في العولمة. على مستوى المعرفة وصناعة الهوية تحول العالم خلال حركة الكشوف الجغرافية إلى آخر نقيض للذات الغربية وبدأ التنظير لأفكار الأرقى حضارياً والأدنى، المتحضر والمتخلف، ورُسمت صور ذهنية وتضخمت علوم الاستشراق لدراسة الحضارات الأدنى، ومعها علوم الأعراق لدراسة من أطلق عليهم «البدائيون»، ودخلت الثقافة على الخط فأصبح الشرق والعالم بأكمله مفتوحاً للرسامين والكتّاب، وبخلاف الاستشراق العلمي نشأ أدب الرحلات الذي رسم عادات وتقاليد الشعوب الأخرى.
وعلى الهامش بإمكانك أن تقرأ عن الجواسيس الذين جاؤوا إلى الشرق تحت مسميات وظيفية مختلفة، ومعهم مجموعات من المغامرين والباحثين عن الثروات والمنقبين عن الآثار، وفي وسط كل هذا لا يمكن أن ننسى دور العلماء، حيث كانت هناك سلسلة طويلة من علماء الطبيعة الذين درسوا نباتات وحيوانات العالم بأكمله، والآن هناك متاحف كثيرة في عواصم غربية عدة تضم تاريخ ومجهودات هؤلاء العلماء.
لقد كانت هذه الكشوف وفي الحقول كافة تجري على قدم وساق، وبطرائق متوازية، وفي الخلفية هناك أطروحات تم ترسيخها، فبعد أن كانت العديد من الحضارات السابقة تؤمن بأن الإنسان مستخلف في الأرض، عليه أن يحافظ عليها كما منحها الله له، قامت فلسفة التنوير في جزء كبير منها على الفكرة النقيضة فالإنسان سيد الطبيعة، وعليه أن يهيمن عليها من أجل استثمارها بما يعود عليه بأكبر قدر من الأرباح، وقد تطورت هذه الفكرة حتى تحولت من الهيمنة إلى التدمير.
حركة الكشوف الجغرافية سردية طويلة، وبالإمكان تلخيصها بأنه في ظرف قرن أو أكثر، كان الغربيون يتواجدون بكثافة في أبعاد العالم المختلفة وبأساليب متعددة، وبعد مرور عدة قرون أثمرت تركة هذه الكشوف إرثاً مريراً، فهناك بلدان لا تزال تعيش أسيرة الزمن الكولونيالي، وهناك بيئة على وشك التدمير وهناك عولمة مزدهرة لا يمكن أن نبحث عن أصولها وفصولها إلا في تلك الكشوف.