أطفأت مسارح مصر أنوارها حداداً على رحيل الفنانة الكبيرة سميحة أيوب، التي غيبها الموت عن عمر ناهز 93 عاماً، بعد حياة حافلة بالإبداع والفن الجاد والرصين، بلغت خلالها أعمالها الفنية ما يزيد على مئتي عمل فني، من بينها أكثر من 170 عملاً مسرحياً، ما يضعها على رأس قائمة نجوم المسرح العربي الذين ظهروا خلال الألفية الماضية بامتياز.

ويصنف كثير من النقاد الفنانة الكبيرة الراحلة، باعتبارها صاحبة ثاني أطول مسيرة فنية في تاريخ المسرح والسينما العربية، بعد الراحلة الكبيرة أمينة رزق، إذ يرجع تاريخ دخولها الى الساحة الفنية المصرية والعربية، مع نهايات الأربعينيات من القرن الماضي، بدور صغير في فيلم «المتشردة» الذي أخرجه محمد عبدالجواد في إبريل عام 1947، لتشارك بإطلالتها الأولى نجوم السينما المصرية في ذلك الوقت، وتنطلق بعد ذلك في دنيا السينما والمسرح على مدار أكثر من سبعة عقود، قدمت خلالها العديد من الأعمال الفنية المتميزة، والتي يمثل كثير منها علامات في تاريخ السينما والمسرح.

*تحولات

التحقت سميحة أيوب بالمعهد العالي للتمثيل في نهاية الأربعينيات، لتتلمذ على يد الفنان الكبير زكي طليمات ونخبة من نجوم المسرح المصري حينذاك، وتشارك أثناء فترة دراستها في العديد من الأعمال السينمائية، مثل فيلم «شاطئ الغرام»، وغيره من الأعمال السينمائية، قبل أن تتجه الى المسرح بعد تخرجها في المعهد العالي للتمثيل عام 1953، وتعيش وهي في صدر شبابها، حسبما يري الدكتور هاني مطاوع أستاذ التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي شهدتها مصر بعد قيام ثورة يوليو عام 1952، وهي التغيرات التي كان لها أثر عظيم في الحياة الثقافية في المجتمع المصري، وانعكاس ذلك بالضرورة على الإبداع المسرحي، الذي ارتبط على نحو وثيق - منذ ظهوره - بقضايا المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما ظهر جلياً في ظهور نخبة من الكتاب والمسرحيين المنتمين للمجتمع، وللفكر الثوري ذي الطابع الاشتراكي، وقد ساعدت تلك النخبة حسبما يقول مطاوع، على خلق مسرح جديد، لم يلعب دور جوق الدعاية للثورة وأفكارها، بل كان واجهة حضارية معبرة عن الثورة، والآمال التي قامت من أجل تحقيقها، وهو ما تجلي في ما شهدته تلك المرحلة من تغيرات لافتة في العروض المسرحية، التي بدأت تأخذ شكلاً جديداً لم يعتاده الجمهور من قبل، وهو أن العروض المسرحية بدأت تتميز بنوع من الوحدة والترابط بين عناصر العرض المسرحي، والانسجام بين شكل العرض ومضمونه، فأصبحت الحركة المسرحية عنصراً تعبيرياً كالكلمة المنطوقة سواء بسواء، وأصبحت نابعة من الموقف الدرامي ومرتبطة بسيكولوجية الشخصية.

*تألق

شهدت فترتا الخمسينيات والستينيات أوج تألق سميحة أيوب على خشبة المسرح المصري، فقدمت عشرات من الأعمال المسرحية الناجحة، من أشهرها «الأيدي الناعمة» و«سكة السلامة» و«كوبري الناموس» و«مصرع كليوباترا»، الى جانب عدد من الأعمال السينمائية والإذاعية، وعاصرت خلال تلك الفترة ما أحدثته نكسة يونيو من أثر بالغ في المسرح السياسي بوجه خاص، وكيف تسببت في طرح أنواع جديدة من الأعمال المسرحية، التي من شأنها أن تؤلم وتعذب الذات العربية، مثل «المسامير» و«يا سلام سلم الحيطة بتتكلم» و«رأس العش» لسعد الدين وهبة الذي لجأ إلى التاريخ ليسقط عليه أحزان اللحظة، وعبدالرحمن الشرقاوي الذي كتب «الحسين ثائراً وشهيداً».

وجدت سميحة أيوب نفسها ولأكثر من ثلاثة عقود، أسيرة لخشبة المسرح، رغم مشاركاتها المحدودة في السينما المصرية، وبدا وكأن يوليو قد أفرجت عن الطاقات الحبيسة لدى الفنانين والكتاب المتخصصين للكتابة للمسرح، بعدما جاءت بمناخ مسرحي ساهم في خلق ما يمكن وصفه بالمسرح الناهض، في وقت كانت السينما المصرية قد نجحت فيه في القضاء على الفرق المسرحية، فكان المسرح بمثابة مكان التقى فيه شباب آمن بالثورة والثقافة الثورية، فوضعوا عواطفهم وأحلامهم وعقولهم وأرواحهم في خدمة المسرح، وهو ما ساهم في خلق جيل جديد من الكتاب أخذوا في الظهور واحداً بعد الآخر، في صف طويل متنوع الألوان المسرحية، فظهر نعمان عاشور الذي قدمت أعماله فرقة المسرح الحر مثل «المغناطيس» و«الناس اللي تحت» وغيرها من الأعمال التي شاركت فيها سميحة أيوب، ثم ظهر يوسف إدريس الذي قدم له المسرح القومي «جمهورية فرحات» و«ملك القطن»، ومن بعده ألفريد فرج الذي قدم له المسرح القومي «سقوط فرعون»، ومن بعده لطفي الخولي وميخائيل رومان وفتحي رضوان، إلى جوار توفيق الحكيم الذي دعم إنتاجه بلون شعبي من ألوان المسرحيات، هو الفانتازيا والأوبريت كما في «الصفقة» و«السلطان الحائر».

*رؤية

قدمت سميحة أيوب مسرحيتها الشهيرة «كوبرى الناموس» من تأليف سعد الدين وهبة مطلع الستينيات، في وقت بدأت فيه صيغة الدراما الواقعية تتحول عن الصيغة الانتقادية، إلى صيغة سياسية تسعى إلى توضيح الرؤية الاجتماعية للثورة وأهدافها، وهو ما يتضح جلياً بعد ذلك في مسرحيات «سكة السلامة»، و«بير السلم»، و«سبع سواقي»، وإن مثلت مسرحية «كوبرى الناموس» نقطة البداية في ظهور الفكر السياسي بوضوح، من خلال صياغة سياسية للدراما الواقعية، تبدأ بإسقاطات سياسية من خلال تجسيد رمزي يتخلل المشكلة المعالجة، على نحو ما قدمته مسرحية «سكة السلامة».

عبر أكثر من 170 عملاً مسرحياً، أكدت سميحة أيوب حضورها اللافت على خشبة المسرح العربي، بدءاً من الأيدي الناعمة ورابعة العدوية، وسكة السلامة، ودماء على أستار الكعبة، وليس انتهاء بـ أغا ممنون، ودائرة الطباشير القوقازية، لترسّخ على امتداد مشوارها الفني الحافل، مكانتها بوصفها «سيدة المسرح العربي»، لذا فإن كثيراً من النقاد لا يبالغون، عندما يقولون إنها، تكاد تعادل مكانة فاتن حمامة في السينما، وأم كلثوم في الغناء، وهو ما تجلى بحصولها في عيد العلم، على وسام الجمهورية من الرئيس جمال عبدالناصر في عام 1966، ومن بعده وسام فارس من الرئيس الفرنسي جيسكار دستان، بعدما أبهرت الجمهور الفرنسي بمسرحية «فيدرا» على خشبة مسرح أوبرا باريس، وهو الإبهار الذي امتد الى العديد من الأقطار العربية التي قدمت فيها سميحة أيوب مسرحياتها، وفازت خلالها بأعلى الأوسمة، في تونس والمغرب والأردن وسوريا والإمارات، لتتوج مشواراً حافلاً قال عنه الراحل الكبير الدكتور فوزي فهمي الرئيس الأسبق لأكاديمية الفنون، إنها وعت خلاله قيمة موهبتها وتفرد حضورها.